أزمة خطيرة تعصِف بحزب حركة النهضة التونسي, منذ خروجه إلى العلن بعد نجاح الثورة في كنس نظام بن علي الاستبدادي، وبروزها في مقدمة المشهد السياسي, بعد استثمارها الأوضاع المستجدة لصالح خطابها الإسلاموي, ومُستغلَّة إنقسامات الاحزاب الوطنية واليسارية, التي دفع مناضلوها اثماناً باهظة في مواجهة النظام الفاسد، ما مكنها (النهضة) من الفوز بالمرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية والبلدية، لكن التوانسة «اكتشفوها» لاحقاً, فبدأت رحلة التراجُع إلى أن انتهت إلى «57» مقعداً في البرلمان الحالي من أصل «217».

الارتباط الوثيق الذي تكشّف عن علاقات «التبعية» التي تربط بين الشيخ راشد الغنوشي (رئيس البرلمان) والرئيس التركي أردوغان, جلب السخط والإدانة من قبل فعاليات تونسية رأت في ذلك تجاوزاً لصلاحياته، وتأتي الأزمة المُتدحرِجة –التي قد تُفضي إلى انقسامها – التي بدأت مع توقيع «100» قيادي من حركة النهضة, بينهم أعضاء في المكتب التنفيذي ومجلس الشورى والكتلة البرلمانية», والتي يطالب فيها هؤلاء الغنوشي شخصياً بعدم الترشّح لرئاسة الحركة في المؤتمر العام نهاية العام الجاري التزاماً بالنظام الداخلي, وبخاصة الفصل «31» من النظام الأساسي لـ«النهضة» الذي ينص على أنه:«لا يَحق لأي عضوتولي رئاسة الحزب لأكثر من دورتين مُتتاليتين».. لـ«تكشِف الشيخ» الذي طالما تغنّى بالديمقراطية ومبدأ تداول السلطة, وغيرها مما يُتقِن الإسلامويون ترديدها والغمز من قناة خصومهم بعدم التزامها..ردَّ (الغنوشي) بقسوة واستهزاء حدود الغطرسة, على هؤلاء طارِحاً «أفكاراً» غريبة ومستهجَنة, ليس فقط في وصف مُذكرة هؤلاء بأنها «زوبعة عابرة", بل وأيضاً في إختراع نظرية جديدة, يُجزِم المرء بأن أحداً لم يطرحها من قبل, لغرائبيّتها وخُبثها إذ يقول في «تعظيم» نفسه وتغنٍ بكفاءته كزعيم: إن الزعماء جلودهم خشِنة ويتحمّلون الصدمات, ويستوعبون تقلّبات الزمن ويُقاومون عامل التهرِئة».. ثم يذهب بعيداً في الغطرسة والأنانية مُتسائلاً: إن كان من لوازم الديمقراطية الحزبية تغيير القيادات في مدة معينة، بصرف النظر عن كونهم أصابوا أم أخطؤوا؟ جازماً «سماحته": بوجود خطأ «مُتعمّد» بين مجال الحزب ومجال الدولة»..

للمرء التدقِيق في هذا اللغو المُضلّل: يرفض شيخنا المُهل الزمنية لترؤوس حزب سياسي (رغم كونه حزباً دينياً بقناع سياسي), أي يريد رئاسة «مدى الحياة», في الوقت ذاته الذي يُصدّع فيه فضاء الديمقراطية العام, عندما يدعو لـ«الفصل» بين مجال الحزب ومجال الدولة..

فهل سمع أحد بمثل هذه النظرية المُتهافتة, التي تذهب بعيداً في التبرير والتغطية على المبادئ والأفكار والحيثيات التي أدت لنشوء الأحزاب أصلاً وكيفية تعاطيها مع الشأنين...الحزبي والعام أيضاً؟.

تحضُر نظرية المؤامرة في خطاب الإسلامويين عند كل مفصل أو إشارة, تدعوهم إلى تنكّب آليات الديمقراطية في عملهم.. يقول فضيلة الشيخ: إن المُطالبين بعدم ترشّحه لعُهدة جديدة, إنما يتغطّون بالديمقراطية لفرض وصايتهم على المؤتمر القادم, بشروط إقصائية مُسبَقة لا ديمقراطية.. في سبيل استبعاد زعيم الحركة».