في الدول المتقدمة ضوابط وأدبيات عديدة للموقع العام، بعضها مكتوب وبعضها الآخر متعارف عليه، يلتزم بها الجميع، ويخرج من اللعبة من يتطاول عليها.

فقد يستقيل رئيس وزراء إحدى الدول العظمى بسبب تصرف يتجاوز تلك الأدبيات قام به هو، أو أحد أفراد أسرته، أو أعضاء حزبه. الأمر الذي لا يحدث عندنا إلا نادرا، وبما لا يخدم الهدف الرئيسي للحالة. ويحيل المسؤول إلى عبء على الدولة بحكم تمرده على قراراتها، وتوظيف كل ما لديه من تشريعات لخدمة مصالحه الخاصة.

فالموقع ـ في بعض الأحيان ـ يتحول إلى امتياز لمن يشغله، والقانون يتم تطوير تفسيراته ليصبح وسيلة تنفّع لمن يحظى برضى ذلك المسؤول. ويصبح من واجبك أن توجّه للمسؤول الشكر علانية ومن خلال وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لأنه أنصفك. وقد يضطر البعض الى اختراق بعض ثوابت الدولة للتعبير عن "المعجزات" التي تحققت على يدي المسؤول لإنصاف ذلك الشخص.

وقد ينحاز بعض المسؤولين الى قناعاتهم الشخصية في التعامل مع قضية عامة، بغض النظر عن انعكاسات "الشخصنة" على الوطن ككل. وفي الوقت نفسه قد يمارس المسؤول التجارة بوسائل متعددة لكنها ليست معلنة.

بالطبع، ندرك بأنه ليس كل ما نسمعه عن اشتغال بعض المسؤولين الكبار بمصالح خاصة صحيحا، لكننا ندرك أيضا بأن بعض ما يقال حقيقة، وذلك من خلال ما نتلمسه من معطيات، وما نلحظه من آثار لبعض النشاطات، وما نرصده من أمور لا ترتقي إلى مستوى الإثباتات الموثقة اللازمة لتقديمها للمرجعيات المعنية.

من ذلك ـ على سبيل المثال ـ قيام من يتولى موقعا متقدما بنقل ملكية مصلحة، أو شركة تجارية، أو مكتب وغيره إلى أي من أفراد أسرته، ومن بعد ذلك الاحتماء بالقانون أو الدستور الذي يكتفي بالحد الأدنى من الابتعاد عن الشبهة. ثم يوظف موقعه في خدمة تلك المصلحة كلما أتيحت له الفرصة. وبالتزامن، قد يحاضر في النزاهة والعدالة وتكافؤ الفرص، ويقدم نفسه كخبير في الوطنية. ويحاول البعض توظيف موقعه للتأسيس لقنوات استفادة مصلحية خاصة طويلة الأجل.

ندرك أن في الدستور الأردني، والعديد من القوانين، ضوابط كثيرة تضبط الوظيفة العامة، ومن يتقلدها، وأن هناك نصوص خاصة تحدد المزيد من الاشتراطات لمن يتولى المواقع المتقدمة في الدولة.

فالكثير من تلك النصوص تشير إلى مواصفات من يتولى تلك المواقع، وتؤكد على الضوابط التي من شأنها الفصل بين الشأنين العام والخاص. فعلى سبيل المثال، تفرد النصوص الدستورية والقانونية لائحة بالشروط الواجب توفرها فيمن يتولى المنصب الوزاري، ومن يرشح نفسه لعضوية مجلس النواب، أو من يرشح لعضوية مجلس الأعيان، باعتبار هذه المواقع جزءا من سلطات الدولة.

وتركز تلك النصوص على تجريم البعد المصلحي من زاوية اقتصادية أو نفعية، حيث منعت الوزير من أن يواصل العمل في التجارة، أو أن يستفيد من العطاءات والمقاولات أو أية مصالح حكومية. ومثل ذلك ما يتعلق بالنائب والعين. ووضع قانون الكسب غير المشروع بعض الضوابط التي تحكم عملية الإثراء لمن يتقلدون المسؤولية العامة.

ورغم ذلك هناك من يمارس التجارة بأبسط أشكالها وأدنى مستوياتها. فإلى متى؟

Ahmad.h.alhusban@gmail.com