أنْ تسمع نبض الحياة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وعلى لسان سيدة مثقفة عايشت تلك الحقبة من موقع المشاركة، فتلك فرصة نادرة في الأردن.

وتصبح الفرصة ثرية بشكل مضاعف إن كان الراوي سيدة مُسيّسة، مثل المربية الأديبة المناضلة د. نوال حشيشو كمال. جدها اللبناني الذي نفته تركيا إلى عجلون شهد تأسيس الامارة. أشقاؤها كانوا نشطاء في الحزب القومي السوري، فيما التحقت هي بحركة القوميين العرب اثناء ابتعاثها للجامعة في بغداد، دخلت سجن النساء لمشاركتها في مظاهرة مناهضة لحلف بغداد.

في توثيقها الأنيس لما عايشته من ذكريات العقود السبعة الماضية، بدت الدكتورة نوال حشيشو في كتابها الأخير «محطات في زمنين» وكأنها تعيد تسميع قصيدة المئوية الأولى للدولة كما كتبتها لأحفادها.

من أين نبدأ مع الدكتورة نوال؟

من حيث ولدت في مدينة إربد عام 1937 بعد خمسة أشقاء.. أبي حسن حشيشو من مواليد صيدا / لبنان.

جدي لوالدي، العلامة الشيخ حامد علي حشيشو عمل قاضياً في مدينة صيدا وكان قد أنشا في اسطنبول مع بعض المناضلين العرب جريدة «شمس العدالة» المناهضة للحكم العثماني، ولما أغلقتها السلطة أسس جريدة «شمس الحقائق» مما تسبب في نفيه إلى الأردن قاضياً ومفتياً لقضاء عجلون، مع أول دفعة من كبار الموظفين في حكومة عجلون العربية التي تشكلت قبيل تأسيس الإمارة الأردنية.

في إربد عشت طفولة مليئة بالذكريات. كنت أذهب مع أبي في سن الرابعة وكان مدرساّ في المدرسة الأولية - الحصن- لأبقى أسبوعاً فكان يبقيني اثناء دوامه مع العائلة التي استأجر منها غرفته.

أذكر انني في عيد الفصح رافقته لزيارة أصدقائه للمعايدة عليهم، فأحظى منهم بالبيض الملون والحلوى وهم يستمعون لنشيد تعلمته من ابي وكثيرا ما كنت اسمع منه: أريدك أن تكوني مثل مي زيادة عندما تكبرين.

في الذاكرة بيتنا في إربد تلفه حديقة كبيرة تقع على الطريق الرئيسي التي تمرمنه حافلات الجنود البريطانيين من وإلى فلسطين. بعضها كانت تقف على الطريق تتحدث مع الصبية الذين يرونهم في الطريق إما لسؤال عن أشياء يودون شرائها أو لقضاء وقت للتسلية وكان شقيقاي ظافر وعمر من هؤلاء الصبية.

في جانب حديقة منزلنا وهي المساحة التي تفصلنا عن الجيران، قن للدجاج ارتفاعه متر تقريبا، وفيه فتحة لدخول وخروج الدجاج في الليل والنهار. وأمام القن مساحة كافية لحركتهم يفصلها شبك معدني عن باقي الحديقة لمنع الدجاج التمادي في الوصول إلى أماكن غير مخصصة لهم.

هذا القن عندما يكون خاليا من الدجاج يتحول ألى صالة سينما مكشوفة لأطفال الحارة، وبذكاء شقيقي محمد المغرم بروايات «أرسين لوبين» يحول الرواية إلى قصة وسيناريو، أبطالها من الورق بأشكال السيارات، والبيوت، وشخصيات الرواية ومن داخل القن ومعه قنديل مضاء يغطي الفتحة بقطعة قماش بيضاء ويبدأ بتحريك الأشكال حسب ما يتطلبه المشهد ويكون هو الراوي البطل أو البطلة مغيراّ صوته حسب متطلبات الحدث، ونحن نجلس على الأحجار أمام الشاشة مستمتعين بمشاهدة أحداث الرواية.

كنا مرفهين رغم بساطة عيشنا، ففي العطلة المدرسية نترك صيف إربد لنقضي صيفاّ أشد حرارة ورطوبة في بيتنا في صيدا، ونحن نقطف من ثمر بستاننا المليء بشجر الليمون والبرتقال. وفي صيدا تعلمت وأشقائي السباحة. في بركة ماء بجانب ساحة البيت مطلة على البستان.

وبالعودة إلى إربد حيث ولدت أذكر مدرسة واحدة للذكور وأخرى للإناث، والدراسة فيهما لمرحلتين إبتدائية من الصف الأول حتى السابع، وثانوية من الصف الأول حتى الرابع ثانوي، يتقدم بعدها الطالب لامتحان المترك - الثانوية.

تأثرت بما كنت أسمعة من شقيقيّ ظافر وعمر في ما حملاه من أفكار أنطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي خلال متابعة دراستهما في بيروت فأسمع منهما إسم علي غندور ومنير عطا الله، وهما من قادة الحزب في الأردن.

عشنا أجواء نضالية حيث كان أعضاء الحزب وعائلاتهم في إربد يلتقون في بيتنا بين الحين والآخر يتحدثون في الامور الاجتماعية والسياسية ويشارك بها الحضور ذكوراّ و إناثاّ، فأدخل ذلك على جو العائلة لوناّ جديداّ من الثقافة له تأثيره الإيجابي عليّ فيما بعد، سياسيا واجتماعيا وسلوكيا حيث كنا نلمس مدى التزام أعضاء الحزب بالتربية الحزبية وما يحكمها من مبادىء السلوك الأخلاقي القويم.

الالتفاف على القانون

في الخامسة من عمري دخلت المدرسة، وهذا سن مبكر للقبول في المدرسة وذلك لأن مديرة المدرسة نيلي مُسلُمْ وهي لبنانية قد أجًرتها والدتي غرفة في منزلنا لتزيد من دخل الأسرة. كان نظام المدرسة فترتين: صباحية، ومسائية، وفي الصف السادس تم افتتاح الصف الأول ثانوي حتى المرحلة الثانوية.

قلت أن حديث أسرتي وأصدقائهم يجذبني منذ صغيري وأنا استمع لما يرونه من أحداث تحدث في فلسطين من هجمات للعصابات الصهيونية على القرى العربية منها مذبحة دير ياسين، فأتأثر كثيرا. ولما سمعت أن الجيوش العربية دخلت فلسطين تفاءلت وكنت أصلي كل يوم داعية الله نصرة الجيوش العربية.

لم تمر فترة طويلة بعد ذلك حتى بدأنا نستقبل أفواج اللاجئين الفارين من مجازر العصابات الصهيونية، منهم من نصب الخيم، وآخرون فتحت لهم أبواب المدارس، والبعض لجأ إلى بيوت الأقارب يظنون العودة «قاب قوسين أو أدنى» فطال الإنتظار. وبقي الأمل بالله والأجيال قائما وسيبقى حتى يعود الحق لأصحابه رغم المرارة التي نعيشها مما يجري يوميا في فلسطين والتهاون العربي.

مرت أيام تلوها الأسابيع حتى بدأت ملامح المجتمع الفلسطيني تظهر للمجتمع المحلي فأذكر أنه لم يكن هناك «سفور» للبنات فالنساء عامة كن يضعن المنديل الأسود غطاء لرؤوسهن. كان في الحي الشرقي لمدينة إربد حيث نسكن، صبيتان جميلتان من الناصرة من عائلة الفاهوم تمران في شارعنا سافرات، طويلتا القامة يلفتن نظر المارة كنت في الأحد عشر عاماً عندما أنظر إليهما متمنية أن يكون لي شكلهما عندما أكبر.

الالتحاق بالجامعة

كان عدد طالبات صفي سنة التخرج عام 1953 اثنتا عشرة طالبة وكنا الدفعة الثانية بعد ان تقدمنا لامتحان المترك نجحت أنا و هيفاء حجازي، وتفوقت في مادة الرياضيات، فكنت واحدة من خمس طالبات تقرر إيفادهن في بعثة دراسية إلى بغداد، اثنتان من إربد أنا ونجدة الجودة وطالبتان من عمان: والخامسة من القدس.

كنا أول دفعة من الاناث مبعوثة إليها، فكلفت وزارة التربية الشيخ إبراهيم القطان مرافقتنا براّ حتى بغداد ليؤمن وصولنا وليطمئن على مكان سكننا.

أخذت بنصيحة علي عبنده احد الطلاب الأردنيين عندما فكرت التخصص في مادة الرياضيات انه تخصص بالغ الصعوبة والتحقت بكلية الآداب والعلوم قسم اللغة الإنجليزية وعميدها المؤرخ والمفكر العربي د. عبد العزيز الدوري.

أذكر كيف كان تفاعل الطلبة في كل المناسبات مع القضايا العربية، منهم من القادم من قطر عربي من أقطار المشرق العربي أو مغربه. قضية فلسطين كانت على رأس قضايا التحررمن سلطة الاحتلال.

من الأسماء التي مرت علي أثناء دراستي الجامعية في بغداد، طارق عزيز كان طالباّ معنا وأصبح فيما بعد وزيراّ لخارجية العراق في عهد صدام حسين.

أيضا من القضايا الساخنة في فترة دراستي دخول العراق عضواّ في حلف بغداد الذي تشكل عام 1955 خلال الحرب الباردة، فخرج الطلاب والطالبات وخرجنا معهم لنواجه قوات الشرطة تحمل الهراوات لصد المتظاهرين، وقد نالني منها ضربة كغيري. تفرقت المظاهرة وبعد وقت قصير تم اعتقال من اشتبه بتنظيمها أثناء التظاهرات ولهذه الحادثة قصة تروى:

في مساء ذلك اليوم، ونحن في سكن الطالبات شعرنا انه محاط بسيارات الشرطة، فأصابنا الهلع وبعد أكثر من ساعة طرق باب سكننا فعلمت أنني المطلوبة الوحيدة. أخبرت الملحق الثقافي الأردني هاتفياّ بالوضع فوعدني بمتابعة الموضوع صباح اليوم التالي.

ذهبت مع الشرطة إلى سجن النساء كنت لوحدي. لم يعترينِ أي خوف سوى قلقي على أهلي وخاصة والدتي. ثم تم الافراج عني بعد أن جرت الاتصالات والتعهدات مع الملحق الثقافي الأردني الذي عمل لإطلاق سراحي. تجربة لن أنساها. وللحق أنني عوملت معاملة احترام من المحققين.

بعد تخرجي عام 1957 عدت إلى إربد معلمة للغة الإنجليزية في مدرسة بنات إربد الثانوية. وبعد ثلالث سنوات، نقلت إلى محافظة نابلس لأسباب أمنية تتعلق بتوجهاتي السياسية حسب ما علمت.

مديرة المدرسة العلوية التي درّستُ فيها اللغة الإنجلبزية في طولكرم ندى الجيوسي المعروفة بشدتها وحزمها في الإدارة، وبعد عام عدت إلى مدرسة إربد الثانوية.

حركة القوميين العرب

في عام 1962 التحقت بحركة القوميين العرب عن طريق الرفيقة نازك غوشة، فشعرت بعد التحاقي بالتنظيم أن ذلك قد شكل لي نقلة نوعية لمرحلة جديدة من الوعي المنظم.

بعد استقالة مديرة المدرسة لحظة توتنجي في بداية العام الدراسي تم تكليفي بإدارة المدرسة.. في ذاك العام وقعت أحداث سياسية داخلية حركت تيارات جماهيرية للخروج إلى الشارع وعمت المظاهرات كافة مدن المملكة تأييداً لمشروع الوحدة بين مصر وسوريا والعراق، وكانت طالبات مدرسة بنات إربد الثانوية، تقودهن خزامى الرشيد طالبة من حركة القوميين العرب، فتدافعت أعداد كبيرة منهن نحو الباب الخارجي للساحة المدرسية وتمكَنّ من فتحه وخرجن للشارع، ففرض منع التجول.

استدعيت ظهر اليوم ذاته إلى دائرة المخابرات للتحقيق حول تفاصيل خروج الطالبات فأفدت أن الطالبات جميعهن خرجن من المدرسة ولا نعرف من منهن شاركت في المظاهرة ومن منهن ذهبت إلى بيتها.

في نهاية تلك السنة الدراسية قرر وزير التربية حسن الكايد، نقلي ثانية إلى نابلس و طولكرم، بتهمة التحريض على خروج الطالبات في المظاهرات وأصبحت من سكان نابلس.

تجانس فكري وثقافي

في نابلس تعرفت على زوجي فيصل كمال. كان قيادياّ في الحركة. ولم يأخذ الكثير من الوقت ليكون بيننا إرتباط مهد له ما كان يجمعنا من تجانس فكري وثقافي. وأصبحت عضواّ في نادي الإتحاد النسائي برئاسة الحاجة عندليب العمد. قمت بالتدريس بالمدرسة الفاطمية ومدرسة إبن سينا.

أنجبت خلال فترة إقامتي في نابلس إبنتي ميسم عام 1965، وهي خريجة لغة انجليزية وآدابها من الجامعة الأردنية وأم لـ عمرو ورامي. وشقيقها ناصر من مواليد نابلس عام 1966 خريج هندسة صناعية من امريكا لديه من الأبناء فيصل وياسمين. والصغرى لما خريجة الأردنية في هندسة العمارة حصلت على درجة الماجستير في لندن وأبنائها مجد ودارا وعمر.

تعددت المجالات

ما بين عودتي ثانية الى اربد للتدريس تقلبت الحياة في مضامينها وكان زوجي فيصل يعمل طبيبا في منظمة الأنروا في الضفة الغربية في نابلس، ووبقدومه إلى عمان عين في أمانة عمان منتدباّ من وزارة الصحة عام 1968.

ذهبت لمدة سنة في بعثة دراسية في جامعة مانشستر للحصول على الدبلوم في تعليم اللغة الانجليزية لغير الناطقين بها. وبعودتنا الى عمان عام 1972 عاد فيصل إلى العمل في وزارة الصحة حتى عام 1974 بعدها انتقل للتدريس في كلية الطب في الجامعة الأردنية. وبالنسبة لي فقد عدت إلى عملي في مدرسة سكينة بنت الحسين، ثم معلمة للتدريس في كلية الأميرة عالية للتدريب بعدها كلفت بإدارة أول مدرسة ثانوية شاملة للبنات في الشميساني.

حصلت على درجة الماجستير وكنت سعيدة عندما أبلغتني الجامعة أن أزود مكتبتها بنسخة من دراستي وهو طلب لا يحظى به كل طالب نجح.

في عام 1983 حمل د. سعيد التل حقيبة وزارة التربية والتعليم. وتوليت في زمنه إدارة مديرية تقنيات التعليم.

وفي بداية عام 1986 اتصلت بي إنعام المفتي واستلمت المدير العام لمؤسسة نور الحسين التي تعنى بالتنمية المستدامة وخاصة في مجال تمكين المرأة وصحة الأسرة ومشاريع بيئية وتربوية وثقافية متنوعة.

وعام 1992 اقترح عليّ، فيصل بن خضراء، فكرة إنشاء مدرسة حديثة متكاملة المراحل، تحمست للفكرة و تم إنشاء الشركة. خلال تلك الفترة كلفت القيام بدراسة تتضمن ثمانية محاور للوقوف على أوضاع النساء العربيات في ست دول عربية هي: الأردن، سوريا، فلسطين، لبنان، مصر واليمن.

الالتحاق ببرنامج الدكتوراة

بعد استقالتي من المدارس العصرية التحقت بالجامعة العربية لنيل درجة الدكتوراه في مناهج وأساليب تعليم اللغة الإنجليزية.

وخلال تلك الفترة هاتفني باسم بركات مدير عام وأحد مالكي كلية ومدارس روضة المعارف وعرض عليّ باصرار العمل معه في المدرسة كمستشارة تربوية لمدرسة حديثة التأسيس.

والآن؟

الآن أجد وفيصل متعة مع أصدقاء حرصنا عليها خاصة من ساهم في تأسيس حركة القوميين العرب، وغيرهم قضينا معهم أجمل الأوقات.