أ.د. جودت أحمد المساعيد خبير المناهج وطرق التدريس

يعتقد فيلدمانFeldman، الأستاذ بجامعة كولومبيا الأميركية المشهورة، بأن القراءة السريعة Reading Speed تعتبر من متطلبات العصر المهمة، وهي حسب خبراته وتدريباته للكثيرين من الأفراد، تمثل مجموعةٍ من تقنيات القراءة التي سوف تتيح لهم الحصول على سرعةٍ تعادل ضعف سرعة قراءتهم العادية على الأقل، إذا ما التحقوا بالتدريب على هذا النوع من القراءة، مع الحفاظ على مستوى فهمهم القرائي إن لم يكن أفضل. ويرى جمال الملا بأن تعريفات القراءة السريعة قد تنوعت وتعددت معانيها، فهي تارة عبارة عن الأساليب التي تهدف إلى زيادة معدلات سرعة القراءة دون التأثير بشكلٍ كبيرٍ على كل من الحفظ والفهم للقارئ، وتارة أخرى هي عبارة عن عملية تدريب يقوم بها الشخص، حتى يتقن مهارة القراءة بسرعة تتمثل في عدد الكلمات التي يعمل على قراءتها في الدقيقة الواحدة، وتارة ثالثة على أنها القراءة بسرعةٍ أكبر، وتذكرٍ أفضل، واستيعابٍ أدق. وفي الوقت ذاته، اقترح جودت سعادة تعريفاً لاستراتيجية القراءة السريعة على أنها إحدى استراتيجيات التدريس المعاصرة، التي تعمل على تدريب الطلبة عن طريق خبراء أو معلمين محترفين، على تقنيات القراءة السريعة المطلوبة، والتي تهدف إلى مضاعفة سرعة الطالب للمادة المقروءة، مع الاحتفاظ بمستوى أفضل من الاستيعاب القرائي المنشود.

وتوجد في الواقع مجموعة من المبادئ الرئيسية للقراءة السريعة، لا بد من مراعاتها خلال تطبيق هذا النوع من القراءة المهمة، والتي تتمثل في مسح المادة المقروءة، وذلك عن طريق القيام بعملية المرور السريعة على تلك المادة، بهدف التعرف الشكلي عليها قبل الشروع الحقيقي في قراءتها. فعلى سبيل المثال، عند الرغبة في قراءة كتابٍ ما أو بحثٍ معينٍ قراءة سريعة، فإن عملية المسح تتم حسب عددٍ من الخطوات المهمة مثل الاطلاع على مقدمة ذلك الكتاب، وقراءة الأهداف التي وضعها المؤلف لتحقيقها من خلاله، والتعرف إلى أبواب الكتاب أو فصوله الرئيسة وعناوينها العريضة وعلاقة بعضها ببعض، وإلقاء نظرةٍ سريعةٍ على الأشكال التوضيحية المستخدمة في الكتاب وعلى الخاتمة الخاصة به. ولعملية المسح هذه أهمية بالغة ودور واضح في التحضير الذهني للقارئ، مما يشجع على سرعة الفهم لديه وبالتالي يساعد في سرعة القراءة من جانب الفرد.

ومن المبادئ الأخرى للقراءة السريعة إتقان أسلوب القراءة المتواصلة، إذ أصبحت لدى الكثيرين من الناس ومنذ نعومة أظافرهم عادة سلبية، تتمثل في الرجوع لقراءة الكلمة مرة ثانية وربما عدة مرات، وفي أحيانٍ أخرى السطر بأكمله. وربما تستمر هذه العادة مع هؤلاء الأفراد عندما يكبرون، مما يؤدي إلى إثارة العراقيل أمام التطبيق السليم للقراءة السريعة، ويشجع هذا العمل على التشتيت الذهني وضعف تسلسل الأفكار. ومن الممكن علاج هذه العقبة بالإصرار على عدم التوقف خلال القراءة، وعدم الرجوع مرة أخرى للكلمات التي تمت قراءتها. كما أنه من الضروري استخدام القراءة العينية المنتظمة، فالقراءة الجهرية أو حتى مجرد تحريك الشفاه، يتطلب وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً، مما يعوق المضي قدماً في القراءة السريعة. لذا، فإن على القارئ تجنب تحريك العينين بدرجة كبيرة بين بداية السطر ونهايته، مما يشجع فيما بعد على توسيع مدى العين، التي تتمكن من التقاط كلمات السطر في نظرةٍ واحدة وبصورة منتظمة ومتتابعة لكل سطرٍ أو لكل مجموعةٍ من الكلمات. وفي الوقت ذاته، فإنه لا بد من التخلص من عملية الرجوع إلى الكلمات السابق ذكرها، حتى تستريح العين، وتنتظم حركتها، وتزداد السرعة في القراءة.

ويعتبر التعايش مع المادة المقروءة، آخر هذه المبادئ للقراءة السريعة، حيث لا بد من التركيز الدقيق والتعايش مع جو الفكرة المقروءة، والعمل على ربط أجزائها بعضها ببعض، وذلك من أجل الوصول إلى الصورة النهائية لمفهوم الموضوع المقروء. ولهذا الأساس مردود واضح على سرعة استيعاب الأفكار وترسيخها في الذهن، بالإضافة إلى تحقيق هدف الزيادة في السرعة القرائية.

أما عن أساليب التشجيع على القراءة السريعة، فإنه توجد مجموعة مهمة من الأمور التي لو تمّ الأخذ بها من جانب القارئ، لعملت على تشجيعه في أمر زيادة سرعته القرائية. وتتمثل أهم هذه القواعد في تحديد الهدف من قراءة الكتاب أو القصة أو البحث، لأن ذلك يجعل مسار القراءة واضحاً نحو تحقيق ذلك الهدف المحدد، وقراءة الفهرس أو محتويات الكتاب أو القصة أو البحث، من حيث العناوين الرئيسة والفرعية، لأن ذلك يشير إلى الأفكار المهمة فيه، والتأكد من الفهم العام لمنهجية الكتاب أو القصة أو البحث، لأن ذلك يسهل على القارئ فهم حتى الأفكار الفرعية له، وقراءة مقدمة الكتاب، حيث تعطي نبذةً مختصرةً عن الكتاب أو القصة أو البحث، وربما محتويات الفصول أو الموضوعات الثانوية، والعمل على تصفح الكتاب أو القصة أو البحث، وتأمل ترتيب الأبواب والفصول والعناوين الفرعية المختلفة.

ومن أساليب التشجيع الأخرى على القراءة السريعة، تحديد زمنٍ معينٍ في ذهن القارئ للانتهاء من قراءة الكتاب أو القصة أو البحث، حتى يسير بانتظام ويهدف إلى الانتهاء من قراءته ضمن الزمن المحدد، مع تحديد عدد الصفحات المطلوب قراءتها يومياً من ذلك الكتاب أو البحث أو القصة، حتى يتعود على تنظيم العمل أولاً وعلى السرعة في إنجاز المطلوب من القراءة السريعة ثانياً وأخيراً، ووجود خلفية عن موضوع الكتاب أو القصة أو البحث، إذ يكون القارئ مدفوعاً لقراءته نتيجة لخلفية تكونت لديه من الآخرين، أو أنه سمع نبذةً عنها في الإذاعة أو في التلفزيون، مما يجعل هذه الخلفية حافزاً له لقراءته كاملاً، مع اختيار المكان الملائم للقراءة، حيث يمثل ذلك شرطاً من شروط قواعد القراءة السريعة، بالإضافة إلى اتخاذ وضع الجلسة المريحة باستمرار، إذ أن توفر المقعد المناسب والطاولة الملائمة والضوء الكافي، عوامل أساسية تساعد على تطبيق قواعد القراءة السريعة، مع أخذ قسطٍ كافٍ من النوم، وذلك حتى لا يشعر القارئ بالنعاس وتتأثر عملية الاستيعاب لديه لما يقرأ، بالإضافة إلى اختيار الكتب ذات الأفكار المنظمة، حتى يسهل على القارئ إنجازها بسرعة، ثم أخيراً البحث عن الكلمات ذات الأفكار المفتاحية أو الدلالية Key Words في الكتاب أو القصة أو البحث، لأنها تشير في نهاية المطاف إلى المفاهيم الرئيسة فيه.

profjawdat@yahoo.com