هل يجب أن نتخوف من نسبة تصويت متدنية، وهل السعي لنسبة تصويت مرتفعة في الانتخابات المقبلة يعتبر غايةً في حد ذاتها؟ وهل يمكن الوقوف على تفاصيل حقيقية لنسبة الممتنعين على التصويت، أو العاجزين عنه، أو غير المكترثين به؟ كل هذه الأسئلة تطرح نفسها قبيل الانتخابات القادمة، وقبل محاولة الإجابة عنها، يمكن التطرق إلى طرفة تنسب إلى الرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو، عندما سأله أحد الصحفيين عما يفكر فيه إزاء السباق الانتخابي بين جورج دبليو بوش وآل جور، فكانت الإجابة: أفكر في الذهاب إلى الشاطئ كما يفعل معظم الأميركيين يوم الانتخابات!

في الأردن تستغل الأغلبية يوم العطلة المخصص للاستحقاق الانتخابي في أمور كثيرة لا تختلف عن الذهاب إلى الشاطئ، فهل يعني أنهم والغالبية الأميركية غير معنيين بالنتائج التي ستسفر عنها الانتخابات؟ إذا سألت أي مواطن فإنه سيجيب بأنه مهتم حقاً بأن يتعرف على النتائج، ولن يتمكن من تقديم سبب معقول لتغيبه، مع أن الإجابة تكمن في مدى تأثير القرار السياسي على حياته، وتوقعه بأن النتيجة لن تحدث تغييراً جذرياً أو كبيراً على حياته، وبالتالي تشارك في الانتخابات الأقليات العرقية أو الوظيفية التي تسعى للحصول على مكتسبات كبيرة.

المشاركون في الأردن يتوزعون بين فئات تسعى ليكون المرشح ممثلاً لها ولطموحاتها ومصالحها، لا أن يكون شريكاً في التشريع بالمعنى الأوسع، والمتغيبون يرون أن شخصية النائب لن تؤثر في حياتها بأي شكل، لوجود مؤسسات عميقة وراسخة يمكن أن تشكل حدوداً للحراك النيابي في أي موضوع.

المؤسسة الأردنية الأكثر توطداً، ومن خلال رأس الدولة شخصياً، طرحت وجهة نظرها في الموضوع منذ سبع سنوات في الورقة النقاشية الثالثة لجلالة الملك، وهذه الورقة استقبلت بحفاوة كبيرة من الإعلام ولكنها حفاوة بروتوكولية، ولم يلتقطها أحد للتداول والتفاوض مع الحكومة ومجلس النواب نفسه، فالورقة في مضمونها تدفع السلطتين التنفيذية والتشريعية للخروج من الاسترخاء الوجودي المستقر منذ عقود من الزمن، ولا أحد سيتقدم تجاه ذلك دون ضغط، وبموجب أي عقد اجتماعي فلا يوجد توازن يقوم على رغبة من الأعلى مع سلبية من القاعدة التحتية المتمثلة في مجمل المجتمع.

تباطأت الحكومة، ووصلت إلى مرحلة السكون تجاه أي إصلاح سياسي أثناء الأشهر الماضية، وكانت كورونا في مقدمة المبررات، وبقي الوضع على ما هو عليه، إلا أن الإصرار على الانتخابات يظهر وأنه يسعى لاستعادة أجواء ما قبل حكومة عبد الله النسور، والبحث عن مقاربة جديدة لحكومة نيابية، أو ذات نكهة نيابية، وهو الشكل الذي استغلت الحكومة الحالية ظروف احتجاجات الدوار الرابع للتملص منه، ولكن الحكومة لا يمكنها أن تقف في عكس اتجاه التاريخ بشكل عام، فالظروف تدفع أصلاً بضرورة التعجيل في الإصلاح السياسي لتحقيق المنعة المجتمعية، والدفع بالقضايا الخلافية إلى بيت الأمة، مكانه الطبيعي، لا التراشق الإعلامي أو على مواقع التواصل الاجتماعي.

يجب على الإعلام في هذه المرحلة أن يقدم أجندة التحديات المقبلة، وأن يسعى لإقناع الناخبين بأن المجلس القادم يحتاج كثيراً من النبرة المرتفعة ولنواب يستطيعون تحريك المياه الراكدة، والضغط «من تحت»، وإذا كان الأمر لا يعدو مجموعة من المرشحين من أصحاب النفوذ المالي أو الزخم العشائري، فمن بين المتاح يمكن اختيار الأفضل، والأكثر جرأة لوجود تلك النقطة الوسط بين النواب والنوام، كما تقول طرفتنا الأردنية الخاصة.

التغيب عن الانتخاب لن يحدث فارقاً كبيراً لا على المستوى الشكلي أو الجوهري، ولكنه الحضور سيحسن من مخرجات الانتخابات وسيختصر كثيراً من الوقت لإنجاح الإصلاح السياسي في ظروف ربما تكون مواتية لذلك فعلاً.