تهتم الدول كافة بمخزوناتها الاستراتيجية من الغذاء والدواء والطاقة وغيرها من المستلزمات الأساسية لإدامة الحياة، وتطمئن كل دولة شعبها عن توفر كميات كافية من هذه المواد لمدد طويلة لكنها لا تتعدى السنة أو السنتين على أبعد تقدير.

بالمقابل هناك مخزونات استراتيجية اهم بكثير من مخزونات الطعام والدواء لانها تعتبر ضمانة بقاء قيمة ومكانة الدول في هذا الكون وفي حال عدم وجودها تكون الدول عبارة عن تجمعات بشرية تعيش داخل حدود معينة تأكل وتنام يومياً دون أن تلفت نظر أية دولة بعيدة او قريبة بمعنى انها كيان هامشي.

إن المخزون الوطني من رجالات الدولة الحقيقيين هو ما يضمن سيادة الأوطان وهيبتها وارتقاء شعوبها إلى مراتب متقدمة بين سكان الأرض.

الأردن كان ولم يزل غنياً بالرجال الوطنيين الذين أرسوا قواعد بناء الدول بشكل صحيح ومتين وبفضل هؤلاء صار العالم كله ينظر الينا والى بلدنا باحترام وتقدير دون النظر الى ما نملك او ما لا نملك، لأننا وبالرغم من افتقارنا لعدة مصادر تحقق الثروة المالية فقط كالنفط على سبيل المثال استطعنا أن نحتل هذه المكانة، فيما غيرنا ممن لا يملكون سوى المال عجزوا عن إنجاز ما انجزنا فظلت رايتنا هي الأعلى دائماً.

فارس النابلسي كان واحداً من القامات الوطنية التي تشكل مع آخرين مخزوننا الاستراتيجي الذي يكفل بقاء وطننا دائماً في المسار الكريم والصحيح.

وعندما نتحدث عن هؤلاء الرجال فإننا نتحدث عن اجيال من الكبار الذين سلموا الراية بامان من ايديهم النظيفة الى من جاء بعدهم، جيل بعد جيل، منهم من لحق بالاوائل ومضى ومنهم من ينتظر، فرحم الوطن ولّاد خصب، كلما ترجل فارس اعتلى فارس وقاد القافلة الى العلياء والذرى.

في الملمات هؤلاء ذخر الوطن وذخيرته لهم دور لا يقل عن دور الجيش سياجنا القوي الذي يحمينا من كل طامع خارجي، في حين يتولى الرجال الاستراتيجيون مع النخب الحقيقية غير المستحدثة أو الطارئة مهمة حماية الجبهة الداخلية وتماسكها ومنع انهيارها.

فلئن غاب وصفي وحابس وسليمان وعبدالحليم وشفيق وفلاح وموفق وفراس وكثر غيرهم لا يتسع المقال لذكرهم فإن المخزون الوطني مازال عامراً بالرجال الشرفاء، لأن المبادئ والمُثل تبقى منارات تضيء الدروب وان رحل اصحابها.

أن فارس النابلسي الذي رحل قبل أيام كان من هؤلاء الكبار وابن أحد اولئك الكبار الكبار تشرّب المبادئ والقيم العليا من والده الذي ما زالت سيرته ناصعة مكتوبة بمداد نظيف في دفتر الوطن.

فارس الذي افتقدناه وفقده الوطن ظل منذ بواكير شبابه مؤمناً بأن الأردن الذي بُني على قواعد الخلق والاستقامة والعمل المخلص لا يستمر الا ببقاء هذه المبادئ هُدى وهداية لكل من يتولى مسؤولية عامة، وكان الوطن بالنسبة اليه امانة معتبراً الفساد خيانة والاهمال خيانة والتخلي عن المبادئ خيانة، وهكذا عاش فارساً وطنياً أردنياً شريفاً وفياً للإرث القومي فلم يحد عن الإخلاص للوطن والشعب ولم يساوم على أية قضية طمعاً في مكسب أو منصب فكان محترماً مقدراً بين كل من عرفه.

رحم الله «أبا سليمان» وعوّض أسرته ومحبيه والوطن عنه خير العوض.