مرح اسماعيل

ربما أنني لم أعد أتكلم مؤخراًً سوى عن الحزن، وربما أنه لم يعد هناك ما يغريني سوى روايات الأسى والألم، حتى أن نظرتي للأمور باتت من شق الخوف والهم. قد تكون ترسبات الحياة وتجاهلي لبعضها في وقت حدوثها قد صنع فجوة كبيرة بيني وبين محاولتي لتجاوزها من جهة وللعودة الى نفسي من جهة اخرى والذي قد يتطلب مني تكبداً شاقاً لمعاناة تكاد أن تحرمني العيش دون الشعور بالندم، لمعاناة قد أبعدتني عما أحب وقربتني مما أكره، لمعناة قد جعلتني ارتكب أخطاء تكاد لا تعد وذنوباً تجاوزت قدرتي على احصائها، لأقع بعدها في رغبتي الجامحة بالغفران وتأنيب الضمير؛ لتجزيني نفسي الجديدة ببعدي عن الله وجهلي بالعودة اليه، لم اعد انا ولم يعد ذلك الشخص المبتغط بداخلي يكترث لما هو جميل وإن كاد يوجد.

قد اخبرتني امي ذات يوم قائلة بصوت أقرب الى التهديد الحذر:

بني اعلم بان الله قد خلقنا في هذه الحياة وقد قدر لنا ما يحدث معنا،اياك ثم اياك ان تعاند القدر، فلو أنك علمت بما سيحدث مستقبلاً لوددت أن يبقى القدر كما كتبه واختاره الله لك، وفي المقابل اعلم بأن الانسان هو أكبر محرك لأقدار نفسه.

ثم ابتسمتْ ابتسامة مريحة للغاية، ربما أرادت تكملة ما قالته ولكنها فضلت الصمت لسبب قد جهِلته ف اختارت ان تغادر بهدوء لتبقى ابتسامتها الى هذا اليوم نهراً من التساؤلات والتعجب.

أتساءل احياناً كثيرة عن القدرة العجيبة التي قد اعطاها الله لأمي ليجعلها شاكرة حامدة له على الرغم مما عانته ومما واجهته من مصاعب ونوائب. اتساءل وكلي رغبة في أن أكون أمي تلك الرائعة التي لم ولن يكررها القدر لي مرتين ولن يبتسم لي بغيرها مرة أخرى.

الآن وبعد أن أصبحت في الاربعين من عمري قد فهمت كل ما أرادت أمي قوله لي، لكنني وفي المقابل احتاجها بشدة مفرطة لتقوله لي ولأسمعه مرات بدل المرة ربما بعدها قد استطع ان اعد ادراجي للعودة من غربة نفسي الى نفسي مرة أخرى.