الدكتور عامر العورتاني أخصائي علم اجتماع الجريمة

عادة ما تبدأ الشركات والمؤسسات وحتى المحال الصغيرة بجرد حساباتها مع اقتراب نهاية العام، حتى تتمكن من تبيّن موقفها المالي، وإعداد موازنة العام القادم في ضوء معطيات الربح والخسارة والتطلعات، لكنّ الإنسانية وهي تخطو نحو الثلث الأخير من العام 2020 أحوج ما تكون إلى عمل جرد لحساباتها القيمية والأخلاقية، والتي كشفت جائحتها الكورونية عن مدى هشاشتها وضعف أساساتها، ذلك الضعف الذي ستلمسه الأجيال القادمة وهي تتصفح تاريخ الحقبة الزمنية التي حملت بين ثنايا أكثر إنجازاتها العلمية والتقنية إبهاراً، الكثير من الإخفاق الذي ألمّ بإنسانية الإنسان وعلاقته بكلّ ما في الكوكب من أسباب البقاء.

في البداية ظهر الرقم 2020 جميلاً، فهو لن يتكرر في الألف عام القادمة، إلّا أنّ جماله كان في شكل الخانات دون قيمتها، فقد جاء مصرّاً بمفاجآته الثقيلة على صفع البشرية بقوّة علّها تُفيق على ما اقترفت يداها من فظائع بحق كل خُلق سويّ وقيمة إنسانية، فالتاريخ لن يكون رحيماً وهو يروي تفاصيل سجلّ حافل بالحروب وبؤر الأزمات، ويرسم صورة دموية لضحايا الحروب والإرهاب والتطرف والتمييز والفقر والجوع والعنف، وإنّ الأجيال القادمة لن تترحم على من نهبوا خيرات الأرض بشراهة، وأتوا على توازنها البيولوجي بنَهَم عبثيتهم، فالقليل مما ستقرأه تلك الأجيال عن مشاريع التمكين ومحو الأمية وعلاج الكثير من الأمراض الخطيرة، لن يُشكلّ فارقاً أمام حجم الاستنزاف المحموم لكلّ معاني الإنسانية وقيمها.

وإذا ما نظرنا إلى هذا العام من زاوية أكثر عدلاً، فإنّ الفرصة كبيرة في رؤية الرسالة المُضمنة بين سطور الأحداث التي تبدو سريعة وفي غاية الجنون وعلى كلّ المستويات، وكأنها تضرب صافرات الإنذار لتُنبه البشر في كلّ العالم فتوقظ بعضاً من بقايا إنسانيتهم، فالفيروس لم يستثن مكاناً، ولم يُميّز بين إنسان وآخر، فالأعراض ذاتها، وأساليب الوقاية ذاتها، وإجراءات المواجهة هي أيضاً ذاتها، لم تختلف بين دولة عظمى وأخرى ضعيفة، وحتى في جهل سبُل العلاج لم يوجد اختلاف، وكأنّ هذا المخلوق الدقيق في حجمه يُلقّن البشرية الدرس الأهم قبل فوات الأوان، ولقد كانت فترة الحظر والإغلاق استثنائية وقد أوقفت عقارب الزمن ليتمكن كلّ فرد في كلّ مكان من الوقوف أمام المرآة مواجهاً نفسه ، ومراجعاً حساباته وطريقته في التفاعل مع أحداث الحياة التي جرفته بتسارعها، وماديتها، وأرقامها، ليرى بوضوح ضآلة معرفته التي لا زالت تقف عاجزة أمام فيروس مجهري.

ولا زالت رياح الجائحة تعصف بسكان الأرض، وتجتثّ غرورهم وجبروت غطرستهم، وهي تقتلع كلّ ما في طريقها، فأضخم القطاعات الاقتصادية اهتزت عروشها أمام إجراءات الإغلاق الوقائية، في حين تمكنت بعض القطاعات الصغيرة من الصمود في وجه العاصفة، ضاربة بكلّ مفاهيم المال والأعمال عُرض الحائط، كما تنبّه البشر عبر القارات إلى بقايا الإنسانية في أعماقهم وهم يبحثون عن سبُل للتواصل من وراء جدران العزل المنزلي ومسافات التباعد المكانيّ، فكان الإنترنت المعقل الأكثر حصانة، وقد بات ميداناً للتعلّم والتسوّق وإدارة المشاريع، وفي غمرة البحث المتعطش للقاء مع الذات، حتى الفنون والموسيقى وجدت ضالتها في الفضاء الافتراضي، غير آبهة بالمكان واللون والعرق واللغة، وهكذا حلّ كل شيء بطعم مختلف، فرمضان والأعياد لم تكن كالمعتاد، والصلاة في المساجد والكنائس أيضا لم تكن كالمعتاد، والعام الدراسي، وكلّ المناسبات لم تكن كالمعتاد، لقد برهن الفيروس على أنّ البشرية تعيش الضعف والعجز في أوضح حالاته، كما برهن على أنّ معاني الإنسانية لا زالت كامنة في جوهر الإنسان.

إذاً فإنّ البحث في أعماق ما تبقّى فينا من إنسانية أصبح هو المعقل الأخير، والملاذ الوحيد الذي يمكن أن تحتمي به البشرية علّها ترى الوجه البشع الذي آلت إليه، فالكورونا لن يكون الوباء الأخير الذي سيجتاح الكوكب، ولن يكون هذا الظرف القاسي آخر الاختبارات الصعبة، ما يلفت إلى أهمية إعداد الإنسان وفق منظومة قيمية تحترم الكرامة، وتنبذ العنف والتمييز، وتؤمن بالسلام وحق الشعوب في الحياة والاستقلال واستغلال الثروات، وفق علاقة أُممية لا استقواء فيها، ولا بدّ من الإعداد لبروتوكول صحيّ على مستوى العالم كلّه يُنسّق لمواجهة الكوارث الفيروسية، بشكل يكفل سرعة السيطرة وتقليص حجم الخسائر إلى أقلّ الاحتمالات، كما ينبغي الالتفات إلى محورية الدور الذي لعبه الإنترنت خلال أزمة الكوفيد – 19 ، الدور الذي يُنبّه إلى أهمية البحث عن بدائل حيوية أخرى في حال حدوث خلل في وسيلة الاتصال الوحيدة التي ترتكز عليها البشرية، وبالاقتراب أكثر من البداهة فإنّ تحويل المليارات التي تُنفق سنوياً على آلات القتل والدمار نحو إعمار الأرض، وبناء الإنسان، وترسيخ أعمدة الرخاء والسلام والعلم والرعاية الصحية ، ستجعل الإنسان أكثر قُرباً من المنطق التي أصبح مفقوداً في أروقة العلاقات الدولية، كما يجب التنبّه إلى أنّ بيئة الوباء التي امتدت على مساحة قارات العالم لا تزال حيوية ونشطة، ما يجعل منها وسطاً مناسباً لإعداد الكثير من الدراسات العلمية ؛ للوقوف على ردود الفعل المترتبة على كافة المتغيرات التي طرأت على جوانب الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والتعليمية، ومعرفة مدى تناسب الإجراءات التي تمّ من خلالها مواجهة الفيروس وحجم المشكلة، وتحويل نتائج تلك الدراسات إلى استراتيجيات وخطط تُنفذ على شكل سيناريوهات واقعية تستند على رؤية مستقبلية للواقع القادم، ووجود خطط بديلة للتعامل مع مسار الأحداث المفاجئة، وتفعيل مبدأ التعاون الدولي كاستراتيجية بعيدة المدى تتبناها الدول لمواجهة الكوارث، أو الحدّ من أي أخطار طارئة قادمة، وهذا يفرض أن يعيد العالم ترتيب أولوياته لتقوية النظام الصحي، وإنعاش الوضع الاقتصادي، ورفد البحث العلمي بالمزيد من الدعم الذي يُضيء الطريق أمام الأجيال القادمة، ويجمعها على صعيد ما يوحّدها.

لا شكّ أن الدرس الذي لا زالت الكورونا تلقنه للبشرية يُعتبر درساً قاسياً، فنتاجاته لم تكن عمياء كقنابل الحروب التي حلّ دمارها في مكان دون آخر، ولم تكن جائرة كالفقر الذي استوطن جيوباً دون أخرى، ولم تكن ظالمة كالتمييز والعنف الذي وشّح بالألم والقهر قلوباً دون غيرها، فبالرغم من صغر حجم الفيروس، إلّا أنه نجح في المساس بكل ما طالته يداه، فلم يفرّق بين غني وفقير، أو قوي وضعيف، أو أبيض وأسود، ولنتذكر أنّ هذا العام لم يبُح بكلّ أسراره بعد، ولعله باح بها منهياً فصلاً ثقيل الظلّ من الرواية.

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com