كتب المُحرِّر السياسي:

انتهت المهلة التي «منحها» الرئيس الفرنسي ماكرون للطبقة السياسية والحزبية اللبنانية الأسبوع الماضي, والتي حدد خلالها مدة «15» يوماً لتشكيل حكومة جديدة وُصفت بـ«حكومة المُهمة» بعد أن جرى التراجع عن «حكومة وحدة وطنية» قيل في تبرير التراجع الفرنسي عنها (تحت الضغط الأميركي) ان «ترجمة» أقوال الرئيس الفرنسي خلال لقائه رؤساء الكتل البرلمانية اللبنانية في السفارة الفرنسية ببيروت «لم» تكن دقيقة, وتبدو باريس الآن وكأنها أمام خيارات محدودة لتشكيل حكومة إنقاذ من اختصاصيين, بعد «فشل» الرئيس المكلف مصطفى أديب في تسليم رئيس الجمهورية تشكيلة حكومية مقبولة على الأطراف كافة, وبخاصة بعد أن تأكد للقوى السياسية اللبنانية المنقسمة أفقياً وعامودياً, ان رئيس الحكومة المُكلف يسير وفق سيناريو وضعه ويُشرِف على تنفيذه ثلاثة من رؤساء الوزراء السابقين وهم سعد الحريري، فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي. وأن الأول هو الذي يعمل على الدفع بهذا السيناريو, حتى لو أدى ذلك الى صدام مع رئيس البرلمان نبيه برّي, الذي كان حتى ما قبل لقائه الصاخب الذي أفضى الى قطيعة بين الطرفين, هو الداعم الأول للحريري ولا يتردّد بعض الشامتين بـِ«بري» من الغمز من قناته وتذكيره بأنه قال ذات يوم: بأنه مستعد لجلب لبن العصفور لسعد الحريري كي يقبل العودة الى رئاسة حكومة جديدة (قبل تكليف حسان دياب الذي يقود الآن حكومة تصريف الأعمال بعد استقالته, أو على نحو أدقّ بعد ان أسهم برّي على وجه التحديد بدفعه للاستقالة عندما هدّد بدعوة مجلس النواب الى الانعقاد لمساءلة حكومة دياب).

شقة الخلاف اتسعت الآن بعد تمسّك الثنائي الشيعي بـ«حقيبة المال» لإشغالها من قبل وزير من الطائفة الشيعية, اضافة وخصوصاً تأكيده كما جاء في بيان كتلة الوفاء للمقاومة (كتلة حزب الله) بأنه من حق الثنائي الشيعي تسمية الوزراء الشيعة الثلاثة, الذين سيكونون(وِفق التقسيم الطائفي المذهبي للحكومات اللبنانية المتعاقبة) في حكومة مصطفى أديب, إذا ما قُدّر لها ان ترى النور.

ما يزيد المخاوف من الذهاب الى الفوضى, في حال أخفق «أديب» خلال مدّة «التريّث» التي طلبها منه العماد عون رئيس الجمهورية, هو تلويح «باريس» بفرض عقوبات على الجِهات التي تُعرِقل تأليف الحكومة, في الوقت ذاته الذي بدأت فيه واشنطن فرض سلسلة عقوبات على شخصيات وكيانات لبنانية وصفتها ادارة ترمب بأنها قريبة من حزب الله وتساعده في توفير الأموال، بعد ان كانت فرضتْ عقوبات قبل ذلك على وزيرين سابقين كانت مثابة رسالة مدوية ليس لحزب الله الذي يتعرض لعمليات لا تنتهي من العقوبات الأميركية, الرامية تجفيف منابع تمويله ومنعه من المشاركة في اي حكومة مقبلة, رغم أنه يُشكل مع حُلفائه الأكثرية في البرلمان الحالي, بل خُصوصاً مثابة رسالة ما تزال أصداؤها تتردّد في جنبات المشهد اللبناني الى رئيس البرلمان نبيه برّي, الذي جاء رد فعله غير مُتوقّع أبداً لواشنطن, عندما رفع وتيرة التحدّي, وقال في عبارة تستبطن الكثير: إن «الرسالة وصلت», وأنه لن يتراجَع عن مطالبه أياً تكن النتائج (أيده في موقفه هذا لاحقا حزب الله). ما زاد من درجة التماهي بينه وبين حزب الله, بعد أن كان الأخير يمنح المزيد من الفرص والتبريرات أو قل التفهّم لمواقف حليفة الماروني الأبرز الجنرال عون وصهره جبران باسيل رئيس التيار الوطني الحر, في بعض سياسات باسيل المُتقلِّبة, بعد الهجمات التي لم تتوقف على الرئيس عون شخصياً وعلى صهره وحزبه التيار الوطني الحر.

الشكوك تتزايد تجاه احتمالات نجاح مصطفى اديب في تقديم قائمة بحكومته العتيدة ,بعد أن أبدى سعد الحريري المزيد من التشدّد ازاء منح الطائفة الشيعية حقيبة المال. خصوصاً بعد سقوط الدعوة الى المداورة في الحقائب السيادية, بمعنى تبديد نظرية حق «طائفة ما» في وزراة سيادية معينة دون غيرها، فضلاً عن زيادة واشنطن ضغوطها على اللبنانيين (المقصود النخبة السياسية الحاكمة وتلك التي خارج السلطة) وما تيسر عن عقوبات مُتدحرِجة ستطال شخصيات وكيانات من «كل» الأحزاب السياسية والطوائف اللبنانية باستثناء (وهذا لافت ومثير للإنتباه) حزب القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع وحزب الكتائب برئاسة سامي الجميّل, وما عداهما فهو تحت مقصلة العقوبات الأميركية, التي تستهدف بالأساس حزب الله وحُلفاءه لتحقيق هدف اساس وهو: منع الحزب من المُشارِكة في أي حكومة لبنانية مُقبلة, لتضييق الخناق عليه وإبقائه في دائرة العزلة والنبذ.

هنا يأتي السؤال عن مدى قدرة باريس في التأثير والحفاظ على دورها المُتجدّد (ولكن الهش) في المشهد اللبناني, والذي تريد من خلاله الإطلالة والمشارَكة في الملفات الإقليمية ذات الصلة, وبخاصة «صراع» باريس مع انقرة على النفوذ و«القيادة», والإنخراط في تقرير مستقبل المنطقة, وبخاصة ملف الطاقة.. النفط والغاز, ووراثة الدور الأميركي في حال نفذّ ترمب تعهداته بسحب قواته من المنطقة, بعد إعلانه الإبقاء على عدد محدود من قواته (3500 جندي) في العراق عبر سحب خمسة آلاف جندي.

ناهيك عمّا يجري الحديث عنه من سيناريوهات لتغيير جذري وعميق في خطوط نقل الغاز والنفط لتصب في موانئ المتوسط عبر خطوط برية تتجاوز قناة السويس, توفيراً للوقت والجهد والمال. وخصوصاً اعادة ترتيب معادلة التحالفات والاصطفافات التي تبدو الآن في حاجة الى «التحديث» بعد التطورات الجيوسياسية المُتلاحقة.

لبنان المثقل بالأزمات والإحتقانات والافتقار الى السيولة المالية والخدمات الإساسية, والبنى التحية وتفشي الفساد واقترابه من دخول قائمة الدول الفاشلة غير القادرة على سداد ديونها, ولا حتى دفع رواتب موظفيها والتي تستعد قريبا لرفع الدعم عن المواد الاساسية كالخبز والمحروقات..لبنان هذا أمام مفترق طرق, كذلك هي فرنسا تجد نفسها الآن أمام لحظة حاسمة, وعليها أن تُقرر في اي اتجاه تسير (لبنانياً بالطبع), رغم أنها تبدو مُكبّلة وتكاد تفقد جرعة الدعم الأميركية المحدودة, التي سمحت لها بالتحرّك وفق لائحة شروط باتت تدرك استحالة تنفيذها، ليس فقط لمحدودية قدرتها وتأثيرها بل وأيضاً لأن موازين القوى على الساحة اللبنانية لا تمنحها ترف فرض الخيارات التي تريد, عبر استبعاد هذا الحزب وتقديم ذلك الحزب وخاصة توزيع الحقائب الوزارية وفق مصالحها الخاصة, والطمس على مصالح أغلبية اللبنانيين.