د. سهى نعجة - (كاتبة وأكاديمة أردنية)



يحدث أن تقع بعض الأخطاء الطباعية في منهاج ما، ولا سيّما في مادة اللغة العربية، نظرا لمسافة التوتر التي تتمفصل في واضعي المناهج الذين يكتبون بعيون الناس لا بعقولهم هم، فهم يَعون أن ثمة رقيبا لغويا يتصيّد الخطأ في المنهاج على مستوى النصوص: المحتوى، وحركات البنية، وحركات الإعراب، والتمارين، حالهم كحال القطة تتحيّن اقتناص فأر، أو فأر يتحين اقتناص قطعة جبن.

وليس هذا من باب الغَيرة على العربية قدر ما هو محاولة توكيد نقص في كادر المؤلفين في المناهج، وبقدر ما هو تعبير لا واع عن نقص الشعور بالذات أمام جحافل القواعد اللغوية التي لا بد من الغوص في دقائقها وأسرارها لانتخاب القواعد التعليمية للطلبة وتصنيفها وفقاً للمراحل التعليمية بناء على توزيع المنسوب الكمّي للبنى والتراكيب.

ويحدث أن يقع خطأ في معلومة ما، فما العصمة إلا لنبيّ، ذلك أن لجان التدقيق من كثرة التربص بالحركات في بنية الدالّ وآخره على وفق موقعه الإعرابي، والحرص على الصواب، ما عادت تقبض على الخطأ، فيغدو جديرا بإدارة المناهج في وزارة التربية والتعليم أن تستعين بمدقق لغوي ضليع يقيم أوَد الجملة، ويعُنى بعرى التواصل بين أقرانها.

ومن اللياقة والحصافة احترام المعلم، فهو خطّ الدّفاع المركزيّ عن العلوم التي تتمشّى في عقول الطلبة، ومدى تفاعلها معهم: زمانا ومكانا، وصعودا وهبوطا، ذلك أنه -غالبا- يخلع معطف الأبوة على الطلبة، فتتعمّق أواصر الوصل بينه وبينهم، فيغدو رديف الأب البيولوجيّ، ولعله يحلّ محلّه بالقوّة وبالفعل حالَ غياب دور الأول بما أنيط به من تربية أخلاقية، وإرشاد نفسي، وتواصل مبنيّ على إنعاش الروح، وتعزيز قيم الانتماء الإسلامي والعروبي.

لذا فإن ما كُتب في مقدمة أحد الكتب الدراسية «وفي حال تعدُّد الأوجه النحويّة أو الصرفية اخترنا أجودها وأيسرها، لذا يرجى الالتزام بها، وحسب»، فيه من عدم اللياقة في حقّ المعلّم ما يجعله ذنبا شنيعا حُقّ فيه لمسرور أن يشحذ سيفه.

فهذا الخطاب الفوقيّ لا يليق بمن نذروا علمهم لفتح النوافذ والشرفات لعقول الطلبة الذين غالبا ما يَرَوْن في مدرّسيهم الأسوة الحسنة.

فمن الذي يقرر أن هذا الاحتمال في الأوجه الإعرابية هو الأجود والأيسر؟ هل ثمة منهج إحصائي أو معياريّ ثابت للوجه الأجود؟ أم هي دكتاتوريّة الأكثريّة؟

وهل قضايا الاحتمالات الإعرابية مما يحسُن تدريسه للطلبة، ولا سيما أنه مبحث شائك، ومبنيّ غالبا على اختلافات مذهبيّة؟ وهل تدريسه في حصة صفيّة أو في حصتين، كفيل بأن يتعرّف الطالب قضايا الاحتمالات، هذا إن كان المؤلّف نفسه يعرفها، إذ يغلب عليه أنه نقلها من أحد الكتب النحويّة دون علم بفلسفتها أصلا وفرعا!

ثمّ بأي حقّ يخاطِب كاتب المقدمة المعلم بعبارة كهذه: «يرجى الالتزام بها، وحسب»؟ ألم يكن الكاتب معلّما ذات حين؟ أم تراه لم يكن يوما في ميدان التعليم، وعُيّن جَوْرا أو بوساطة؟ أم إنه غادر التعليم وكُرّم بوظيفة إدارية نحو مدير مدرسة، أو مشرف تربويّ، أو عضو في إدارة المناهج، فغدا يصول ويجول، وحدود معرفته «يجوز الوجهان»، هربا من القول: «لا أدري».

تُرى، لو شرح معلم الوجوه الإعرابية لسؤال عارض من طالب ما، وإن على سبيل المتعة العقلية، ألا يعدّ مشيرا مرآويا للفضاء المعرفي الممتدّ للطالب والمعلّم يستحقّان الثناء والتعزيز عليه؟

هل يجب على المعلم أن يصمت عن سؤال الطالب ويتصنّم كالمنهاج؟ أم يسعه أن يجيب عنه من غير إسراف فيفتح مغاليق في ذهنية بعض الطلبة الذين يكتشفون ذواتهم أحيانا في هذا النوع من الأسئلة الخارجة عن النمط والقالبية والأسوار والجدران؟

ما أكثر ما يقف المعلّم على حافة السكين، لأنه خرج عن معياريّة الأنظمة السلطويّة. وتنشده إذ يحث المنهاج على التماسك، والانسجام، والتناغم في البناء الجمْليّ والبناء النصّيّ أنه ينصّ في فقرة ما في مقدمة أحد المناهج على فلسفة بناء المنهاج بقوله؛ «وقد حرص الكتاب على اتسامها بالتنوع من حيث الأصالة والمعاصرة».. فعلى ماذا يعود الضمير المتصل (الهاء) في (اتسامها)؟ إنه يعود على «القاعدة والنصوص والشواهد والأمثلة الناظمة لها» التي جاءت في السطر الثاني قبل الأخير في الفقرة قبل الأخيرة من المقدمة نفسها.

لكن أيعقل هذا التركيب النحوي على صوابه أن يجيء في مقدمة كتاب منهجي، والسؤال عن عودة الضمير سؤال جوهريّ في اللغات كلها؟

يبدو أن المنوط بكتابة المقدمة مهر القوالب اللغوية الجاهزة بنيةً وتركيبا، فتكاثر الضعف الصوغي، وتفشّى التعثّر التركيبي، وربا الترهّل اللغوي.

لقد كان المؤمل أن تفتح مقدّمات الكتب شهية الطالب والمعلم لتعرّف محتوى الكتاب، لكن الحقّ أن هذه المقدمة وغيرها فظّة كملخّص بعض الأبحاث الأكاديمية الضعيفة التي انمازت بالتصنّع، وبالتكلّف، وبالفجاجة، وبالهشاشة اللغويّة والأسلوبيّة، عدا ما تعانيه من التكلس المنهجيّ مما ينأى بمتعلم العربية عن النظام الجمْليّ السليم.

والقول نفسه يقال في صوغ النتاجات التي تهمّش الذوق الجمالي والعلوّ البيانيّ من لدن الطالب، ولا سيما أنها صيغت بلغة لا روح فيها، عدا ما تخللها من قلق صوغي غير علميّ، نحو: «يضبط المفردات والجمل بنيةً وأواخر وفقا للقواعد النحوية والصرفية؟»، فماذا لو أضاف كلمة «وحركةً» قبل «أواخر» لئلا يلتبس الكلام؟

لقد استمتعت إلى حدّ ما بمحتوى الكتاب الذي تناولته هذه المقالة، وأشهد أنه منهج تعليميّ مدروس بعناية، ولنا حقّ التغافل عن بعض الهنات التي وردت فيه، لكن ألا يقال: «رُبّ كلمة قالت لصاحبها دعني؟».

إنها المقدمة، تقول لكاتبها «دعني»، وتدعو كاتبها أن يتمثّل أهداف المنهاج. تقول لكاتبها «دعني، وأعيدوا صياغتي بلغة مزهرة يانعة حصيفة شموس تحثّ المتلقي على اقتناء الكتاب، وإن لم يكن من أبناء هذه المرحلة المدرسية».

وإني لأنشد الطمأنينة على جيلنا من بعض المعلمين في الميدان، فقد جاءني ابني مشدوها وبيده ملزمة كتاب اللغة العربيّة التي صاغها معلمه، ملزمة تَجبُر مقدّمتها كسر النفس قياسا يمقدّمة المنهاج الوطنيّ المتعثّرة المتصحّرة!

أجبرني بُنيّ أن أسمع ماذا كتب المعلّم تقدمةً لملزمته، فإذا بها والله شعر وليست شعرا، لكنها كلمات توقد جذوة الحبّ للعربيّة، وتعزّز القيم التربويّة، وتحسن إدارة الوجدان الإسلاميّ والعروبيّ لنباهة دوالها، وتواشج العلاقات الرأسية والأفقية بين الوحدات المعجمية، ولجِدّة الأفكار التي تدعو للتأمّل في العربية واقعا وطموحا فيسري أرجها في الوريد حبقا وريحانا وأقمارَ ياسمين.

فيا أيها المسؤولون عن كتابة مقدّمات المناهج، لا تخونوا العربيّة بمقدمّات ممحلة، وأوكلوا الأمر لذي بيان يكتبه، فذلك لن ينقص قدْركم، بل سيجعل المنهاج في العليّين، لا في منطقة الأعراف وأدنى.

أبنائي الطلبة، إن العربية ناهضة فيكم، «فاسْعَوْا في مناكبها»، واغفروا زلّة قلم نسي صاحبه دواته، فغدا يكتب بخشبة تسدّ الخانات الفارغة ببعض الكلام المريض تركيبا.. وقولوا: «يحدث أن يعود المجد للعربيّة ببصيرة أصابع كتّابها، وبعقول أبنائها الذين وعَوْا المشهد اللغويّ، وغَدَوْا سدنتها ينافحون عنها بوعي جسور، وبمنهجية تغتني بالحاكميّة الرشيدة».