«رسائل من الشاطئ الآخر».. هي مجموعة رسائل متبادلة بين الكاتب الصحفي المصري حسام عبد القادر والدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا.. حول هموم وقضايا مشتركة تهم الوطن بمفهومه الشامل، وتعبر عن كثير من القضايا التي تؤرقنا نحو وطننا وتتحدث عن الغربة خارج الوطن وداخله، خاصة قضايا الهجرة والسفر والهروب عبر البحار والمحيطات لمستقبل غامض على أمل في غد أفضل.

هذه الرسائل الأدبية تذكرنا بجنس أدبي افتقدناه كثيرا وهو أدب الرسائل أو فن الرسائل والذي يعد من الفنون الأدبية القديمة، وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية القوية. والرسالة نص مكتوب نثرا، يبعث به صاحبه إلى شخص ما، كما تعتبر الرسالة الأدبيّة من أهم فنون السرديات؛ حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها.

الرسالة السابعة..

غربة كورونا صديقتي العزيزة دلال

تتطرق رسائلنا دائما للحديث عن الغربة، نظرا لأننا نعاني منها رغم اختلاف الفترة الزمنية للغربة بيني وبينك، ولكن وسط أحداث مفاجئة لم يكن لنا يد بها، حدثت «دربكة» لمشاعرنا بعد ما فعلته «كورونا» بنا وبالعالم.

فهل يمكن للإنسان أن يعيش غربة داخل غربته؟

هذا ما شعرت به فبعد أن مر على غربتي عدة أشهر، اكتسبت خلالها أصدقاء ومعارف جددا وبدأنا نتواصل، فجأة أصبح علينا أن نمكث بالبيت ولا نغادر، وأصبحت مخالطة الناس جرما، وخطرا، بل إن مقياس حبك لمن حولك أصبح يقاس بمدى بعدك عنهم!

وأنت تعرفين عني جيدا أني إنسان اجتماعي بطبعي، لا أستطيع أن أعيش بدون أصدقاء، ولي عالمي الخاص المتسع بالناس من كل اتجاه، فما بالك وأنا جالس وحدي بالمنزل لا أخرج إلا للضرورة، حتى منعوا الاتصال مع الطبيعة فأغلقوا الحدائق، والمتنزهات، وأصبح من أدبيات السير في الشارع الابتعاد عن الغير، وإن أضطررنا للوجود في مساحة واحدة، فلنغير رؤوسنا في اتجاهات مختلفة حتى لا تتقابل!.

أرسلت لك رسائل عديدة منذ سفري عن معاناتي عن الغربة، ولكني وجدت نفسي أعيش في غربة جديدة داخل هذه الغربة، شعور لم أفهمه حتى أستطيع وصفه، ماذا أفعل؟ هل أعود؟ ولكن المطارات مغلقة، والحياة كلها مغلقة، وكل طقوسي المهمة لم أعد أستطيع ممارستها، كان يوم الجمعة لدي مقدسا، فكان له إحساس خاص عندي لوجود صلاة الجمعة التي تمنحني طاقة إيجابية كبيرة حتى الجمعة التالية، كل خططي لزيارة الأماكن الثقافية فشلت.

جاء شهر رمضان، وكنت مترقبا له بشدة، فأول مرة أقضي رمضان بعيدا عن مصر وعن أسرتي، وقلت لنفسي ستكون تجربة جديدة أن أزور مساجد متنوعة، وأفطر كل يوم مع أصدقائي، وهكذا خططت لأن أخفف وطأة بعدي عن مصر وأسرتي، ولكن جاءت كورونا بما لا نشتهيه، وجلست وحيدا غريبا داخل منزلي أتناول سحوري وفطوري.

لم ينقذني من غربتي داخل بيتي، سوى هذا الجهاز الذي كان له عظيم الأثر في اتصالي بالعالم، ولا أعرف ماذا كنت سأفعل بدونه؟

فعن أي غربة إذن نتحدث، والجميع عانى الاغتراب داخل بيوتهم، وغريب أمر الإنسان عندما يقوم فيروس لا يرى بالعين المجردة بتجميد العالم أجمع وشل حركته، ويوقف أي تواصل اجتماعي حقيقي ويمنع الأحضان والقبلات والسلام.

ولكن هل جاء الفيروس ليمنع الزيف أيضا من حياتنا؟ وليوقف نزيف الرياء والنفاق، فما أكثر الأحضان والقبلات المزيفة، والتي اعتدنا عليها دون أن ندري.

في انتظار ردك ولا تتأخري

حسام عبد القادر

يسعد أوقاتك صديقي حسام

اسمح لي أن أقول بأنني أمضغ رسالتك على مهل! أحتاج فسحة للتأمل.

تعال معي نفتح ستائر الحكاية على مشهد الصراع بين البشرية، والفيروسة البغيضة البريئة كورونا، نتأمل الأثر الذي خلفه فينا هذا الصراع.

أما كان بإمكاننا حجب هذه السحابة السوداء من فضاء المشهد؟ ولكن ظلاما لا يخلو من الجمال، ولا من نور الحق.

إذا فلن ندع شيئا يفسد علينا بهجة الصراع، فصوتها الخافت (الفيروسة البغيضة البريئة) قد أفضى إلينا بدروس جريئة، ولحظات مرهفة، ومشاعر هربت من القوافي، فهل نجرؤ بعد الآن على تعكير مياه الحياة؟

أعيد ترتيب الأشياء على مهل، براعم أفكاري، وحشد الموتى، وحفيف مصائرنا المعلقة في الهواء، أبتسم مشوشة! مطمئنة، فلا زالت فسحة الأمان العفوية تسكنني، برغم طرقات الخوف على نوافذي، وعربات الموت التي تتدحرج في شوارع العالم.

حسام، تعال معي، نلبي نداءات الغابة! لنبحث فيها عن سيناريو جديد للفيروسة الزائرة، كم نحتاج الأشجار من حولنا، تقيس لي طول الحياة المشتهى، نسافر ببصرنا نحو قممها الخضراء، لندخل في متاهاتها، نتأمل، ننام، نحلم، ونطلق سر الحياة الصغير من قفص القلب.

تعال معي، فربما استطعنا أن نجدد المبررات لحكاية الموت الزائر، في الألفية الجديدة؟

ألا تعتقد معي بأننا قد ظلمنا الفيروسة البغيضة البريئة، الآنسة كورونا وكتبنا حكايتها زورا وإدعاء؟ فإذا كان العالم في كتاب الحكايا ظالما، معتما، منطفئا، علينا أن نعيد كتابته مجددا، بنثارات الضياء، ضياء الحقيقة.

أسمع صوت الذئب الهارب من الحكايا، يحدثنا عما فات؟ ظلمته الحكاية والتاريخ؟

حسام، يبدو أننا بحاجة لإعادة كتابة قصة البشرية، والتاريخ، لنعيد الاعتبار لشخصيات وحيوات ولحظات، قد أجحفنا بحقها أو أنكرناها؟

أركض إلى الغابة بحثا عن مساحة الكشف والإظهار، لن أخشى ظهور الذئب الأوروبي الذي هددنا به الإعلام مؤخرا، وظهرت صوره في نشرات الأخبار.

أركض، وأتمنى أن ألتقيه، لأعلن له براءته من جرائم نسبت إليه في حكايا مضللة! سأعتذر منه، وأكتب له قصة جديدة أزينها ببراءة الطبيعة، وانسجامها، بنور الحنطة، ونبض الفراشات، سأكتب له حقائق جديدة وأعيد ترتيبها بأبجدية جديدة.

أتساءل حسام، من يكتب التاريخ والأحداث؟ وبأي لغة يتحدث ضميره المستتر! وهل هو خارج الإعراب؟

في الغابة أبحث عن دهشة التعلم، عن استيعاب الاختلاف، عن إفتقار البشرية للتقارب، أبحث عن فرصة جديدة لتنتعش أرواحنا بضوء المحبة والأمل في زمن كورونا ـ

أكتب، أركض، وأرمي الكلمات ورائي، لتنمو في الفضاء، أكثر من نجمة ويخضر قحل ساعاتنا المحفوفة بالقلق.

لم أكمل حكايتي، لوحتي، بعد!

حسام، دعنا نتابع الكتابة، والركض في غابات الحقيقة

دمت لنا بألف خير

د. دلال مقاري باوش