تبرم الحكومة والمؤسسات والهيئات العامة والرسمية والشركات المملوكة او المسيطر عليها من الحكومة عدد كبير من الاتفاقيات التجارية مع مؤسسات دولية وشركات أجنبية. ويلاحظ ان معظم هذه الاتفاقيات يتم تحريرها باللغة الانجليزية وتتضمن شرط سرية الاتفاقية وسرية الشروط والبيانات الواردة فيها. غير أن شرط السرية هذا لا يؤخذ على محمله الحقيقي، فتتم معاملتها بسرية تامة دون الاستعانة بخبراء محليين مختصين لمناقشة بنود الاتفاقية والتفاوض عليها بما يخدم المصلحة العامة، مما قد «يورط» الحكومة بشروط لا طاقة لها عليها.

تتضمن جميع الاتفاقيات التجارية ثلاثة جوانب رئيسة: الجانب المالي والذي يشمل الحقوق والالتزامات التعاقدية المالية، وهذا يتطلب الاستعانة بخبراء ماليين مختصين لدراستة وابداء الرأي فيه والتفاوض حوله. والجانب الفني ويتضمن على سبيل المثال الابعاد الهندسية والتقنية للاتفاقية وهذا يتطلب الاستعانة بخبراء مختصين في هذه المجالات. والجانب القانوني للاتفاقية، والذي يشمل ابعاداً لا حصر لها ومنها القانون الواجب التطبيق وكيفية تسوية النزاعات الناشئة عن الاتفاقية، وحدود المسؤولية، والشروط الجزائية، وتعهدات الاطراف واقراراتهم، وشروط النفاذ، وحالات الاخلال بالاتفاقية وغير ذلك مما يستدعي الاستعانة بفريق قانوني محلي ذو خبرة عميقة لدراسة هذه الجوانب والتحقق مما اذا كانت الاتفاقية تستوجب موافقة مجلس الأمة وفق احكام الدستور والتفاوض على احكامها وشروطها بما يتفق مع التشريعات المحلية وبما يخدم المصلحة العامة. فالتفاوض على شروط الاتفاقية واحكامها هو اشبه بمرحلة انشاء البناء. ولما كانت الشياطين دائما في التفاصيل، فإن شياطين الاتفاقيات التجارية تختبىء في ملاحقها. وغالباً ما يغفل الفريق المحلي (قليل الخبرة) عن دراسة ملاحق الاتفاقية بشكل دقيق. أيضاً، تتضمن الاتفاقيات التجارية كلمات ومفاهيم لا يمكن ادراكها الا باللغة التي كتبت بها. فمن غير المعقول ان يترجم مشروع/مسودة الاتفاقية من لغة اجنبية الى اللغة العربية ليقوم بعض موظفي الحكومة بدراستها والتفاوض عليها اعتمادا على النسخة العربية دون المام بلغة النص الاصلية.

وقد تلجأ الحكومة للخبراء الاجانب احياناً للمساعدة في صياغة الاتفاقيات ولا ضير في ذلك. ولكن غياب الفريق المحلي المتخصص قد يؤدي الى موافقة الحكومة على شروط تعاقدية مجحفة اعتماداً على رأي الخبير الاجنبي. ان واقع الحال يثبت أن الخبراء الاجانب معنيون بايصال طرفي الاتفاقية لمرحلة التوقيع. فمصلحته تنحصر في تحصيل رصيد اتعابه. فإن لم يجد من أهل الارض من يدقق خلفه ويناقشه ويسوي ما اعوج من شروط واحكام، سار في صياغة الاتفاقية بالطريقة التي تودي الى مرحلة الاغلاق والتوقيع.

وبعد توقيع الاتفاقية ودخولها حيز النفاذ، لا بد للجهة الحكومية الطرف في الاتفاقية من متابعة ومراقبة تنفيذها من قبل طرفيها. وهذا يستدعي أيضا، وجود جهاز متخصص للقيام بمهمة المتابعة والمراقبة. فقد ترتكب الاطراف الاجنبية المتعاقدة مع الحكومة مخالفة لاحكام الاتفاقيات دون ادراك الوزارة او الهيئة المعنية حدوث مثل هذه المخالفة.

وفي لحظة ما، يتوقف تنفيذ الاتفاقية إما لانتهاء مدتها او انجاز الغاية منها او انهائها باتفاق الاطراف، وقد تتوقف لحدوث قوة قاهرة أ لنشوء نزاع حول تنفيذ أي بند من بنود الاتفاقية واحالة الأمر الى التحكيم او المحاكم. وهنا لا بد من الاستعانة بفريق قانوني متخصص يدعمه فريق فني ومالي لتقديم اللوائح والدفوع والمرافعات لضمان حد معقول من فرص النجاح.

وبتدقيق مهام وزارة العدل، نجد أنها لا تشمل، بشكل صريح، دراسة الاتفاقيات التجارية التي تبرمها الحكومة مع جهات خارجية. ففي الشؤون القانونية نجد ان دائرة ادارة قضايا الدولة معنية بمتابعة كافة قضايا الدولة وتمثيل دوائرها فيما يرفع منها أو عليها من الدعاوى لدى المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها ولدى هيئات التحكيم والجهات الأخرى التي خولها القانون اختصاصاً قضائياً سواء داخل المملكة أو خارجها. وتعنى مديرية الشؤون القانونية في وزارة العدل بإبداء الرأي القانوني في الاستشارات القانونية التي تقدم إلى الوزارة من الجهات المعنية وتزويدها بالرأي القانوني بناءً على طلبها. وتعنى مديرية التعاون الدولي بصياغة الاتفاقيات الثنائية ومذكرات التفاهم في المجالين القانوني والقضائي والمشاركة في المفاوضات الخاصة بالاتفاقيات الدولية والإقليمية وضمان ملاءمتها للقوانين والأنظمة النافذة.

ونلاحظ هنا، أن دراسة الاتفاقيات التجارية لا تدخل بشكل صريح ضمن مهام وزارة العدل. وفي غياب وزارة خاصة بالشؤون القانونية (رغم وجود وزير دولة للشؤون القانونية) نرى أن المصلحة العامة تقتضي تكليف وزارة العدل (من خلال مديرية الشؤون القانوينة) بدراسة مشاريع الاتفاقيات التجارية التي تبرمها الحكومة والهيئات والمؤسسات العامة والشركات الحكومية مع جهات اجنبية والتفاوض على احكامها وشروطها ومتابعة تنفيذها وأحوال وقف العمل بها.

وبحيث يكون للوزارة صلاحية الاستعانة بالخبراء المحليين (ماليين وفنيين وقانونيين) لدراسة مشاريع هذه الاتفاقيات والتفاوض على احكامها وشروطها بما من شأنه حماية المصلحة العامة وتحقيقها. فالاتفاقيات التجارية التي تبرمها الحكومة مع جهات اجنبية ليست مذكرات تفاهم أو خطابات نوايا، وانما هي عقود ملزمة لطرفيها وقد يترتب على عدم إيلائها العناية اللازمة في مراحل البناء والتنفيذ والايقاف تحميل الخزينة مبالغ طائلة كان بالامكان تلافيها باستحداث وحدة قانونية مركزية في وزارة العدل تضم ما يكفي من أهل الخبرة وذوي الاختصاص، وأكاد أجزم بإن الكثيرين من الخبراء القانونيين لا يمانعون من المشاركة بدراسة تلك العقود دون مقابل خدمة للوطن.