د. يوسف بكّار أكاديمي وباحث أردني

(1)

لا مندوحة, بدءاً, من أن ينبّه, لمن لا يدري, على أنْ ليس ثمّة ديوان أو مجموع واحد عنوانه «رباعيّات الخيّام» كديوان حافظ الشيرازي من الإيرانيين وأبي الطيّب المتنبّي من العرب؛ فالرباعيّات كثيرة, ولا سيّما في النسخ المتأخرة بعد قرنين وأَكثر من وفاة الخيّام, التي لمّا يعرف الأصيل من المنسوب منها إليه؛ بيد أنّ عدد المظنون في أصالته منها كثير في تقدير الخيّاميين الإيرانيين الأثبات الذين اصطفى كلّ منهم مجموعة قليلة رأى فيها ظنّ الأصالة أكثر, من مثل: ذبيح الله صفا, ومحمد علي فروغي وقاسم غني, وصادق هدايت, وعلي دشتي, وجلال الدّين همائي.

ومن اللازب, كذلك, أن ينبّه على أن ليس ثمّة ترجمة موحدّة من ترجمات الرباعيّات في الشرق والغرب تضم العدد نفسه من الرّباعيّات باستثناء ما ترجمه بعض المترجمين العرب عن فيتزجيرالد الإنجليزي, بل هي مختارات متباينة ليس غير, وهذا ما لا يعرفه السواد الأعظم في العالم كلّه.

إنّني, لما تقدم, أعدّ كلّ مَن ترجم رباعية واحدة أصيلة أو منسوبة مترجماً من مترجمي الرّباعيّات العرب, وعددهم, إلى الآن, أربعة قديماً وحديثاً.

(2)

تُعد ترجمة القاضي نظام الدّين الأصفهاني(1) من القرن السّابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) لرباعية واحدة فقط أولَ محاولة في ترجمة الرّباعيّات إلى العربيّة وغيرها.

يبدو أنّه استهجن مضمون الرّباعيّة الآتية ولم تعجبه فترجمها ليرد عليها وينقضها في أربعٍ.

والرباعية هي:

دارنده چـو تركيب عناصر آراست

ازبهرچه او فكندش اندر كم وكاست؟

كـ ـرنيك نيامد اين صور عيب كراست

ورنيك امد خرابي ازبهر چراست؟

وترجمتها (2):

الصّانع إذْ أحسن في التّركيب

لِمْ يُخْرجْ نظمه عن التّرتيب؟!

إن ســــــــــــاءَ، فمَـــــــــــنْ أحقُّ بالتّثريــــــــب

أو أحسنَ، ما الحكمة في التّخريب؟

وهي من الرّباعي الكامل في وزنه الفارسي الأصيل على «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله» (مفعولُ مفاعيلُ مفاعلين فاعْ).

الترجمة دقيقة وافية بالمعنى وليست حرفيّة. وقد ردّ عليها الأصفهاني بأربع رباعيات من الرباعيّ الأعرج، الذي يختلف «رويّ» شطره الثالث عن رويّ الشطور الأخرى الموّحد. الأولى:

ما للخيّام لجّ في التّأنيبِ؟

للخَيمة قوّضوا لدى التّطنيب

ما كان لذا الخيّام أن يقلعها (3)

مها حَفَزَ الجيوش للتّشريبِ!

والثانية:

إنْ ينفسد الكونُ، ففي التّركيب

للنّفس كمالٌ لك بالتّهذيب

إنْ تَبْنِ لفتح بلدةٍ أبنيةً

عرَّضْتَ لدى الفراغ للتخريب!

والثالثة:

لم يعتمد الطينَ لدى التّركيبِ

إلّا ليرى مظنّةَ التّخريب

ما انصانَ عن البِلى ربوعٌ عُمِرَتْ

بالنّقْش على الحائط والتّذهيب

والأخيرة (4):

للنّفس رأى الكمالَ في التّركيبِ

لا الجسمُ قصاراه لدى التّرتيب

بالقالب للطّاق (5) إلى بانيهِ

يرميه إذا آثر بالتّخريب

وبدا للدكتور كامل مصطفى الشيبي، من تكرار الألفاظ في الصّلب والرّوي في الرّباعيّات الثلاث الأولى، أنها ثلاث محاولات تجريبيّة أراد الشاعر أن يختار واحدة منها تفي بغرضه في الرد على الرّباعية الأصل، لكنه لمّا لم يرتحْ لواحدة بعينها أثبتها جميعاً (6).

(3)

للدكتور لويس عوض (1914-1989) مبحث عنوانه «ذريّة الخيّام» في كتابه «دراسات في الأدب الحديث» (دار المعرفة، القاهرة, ط1: 1961, ص163-168) قارن فيه بين قصيدة «الطّلاسم» لإيليا أبي ماضي ورباعيّات الخيّام, وقال: «إن إيليا أبي ماضي حاول أن يكتب لنا في الأدب العربي رباعيّات جديدة تحُلّ محلّ رباعيّات الخيّام المشهورة في الأدب الفارسي أو تكمّلها. فما قصيدة (الطلاسم) المشهورة... إلّا معارضة لرباعيّات الخيّام.. أو نسج على غرارها» (ص164).

رأى لويس عوض أنّ أبا ماضي قرأ الخيّام في منظومة الشّاعر الإنجليزي فيتزجيرالد لا في الفارسيّة, ولا سيّما الرباعيّة التاسعة والعشرين من الطبعتين الأولى (1859م) والخامسة (1989م), وهي(7):

Into this Universe, and why not knowing,

Nor whence, like water willy – nilly flowing:

And out of it, as wind along the waste,

I know not whither, willy – nilly blowing.

وقد ترجمها دليلاً وشاهداً على ما ذهب إليه ترجمة حرفيّة كما نعتها هو (ص165), وهي (ص164):

جئت إلى هذا الكون لا أعلم لماذا؟

ولا من أين كالماء يجري شاء أم لم يشأ

ومنه أخرج كالرّيح على الأرض الخراب

لا أدري أيّان تهبّ شاءت أم لم تشأ

ثمّ قال «وهذا ما قاله أبو ماضي (من الطلاسم) (8):

جئت لا أعلم من أين, ولكنّي أتيتُ

ولقد أبصرتُ قدّامي طريقاً فمشيت

وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبْصرتُ طريقي؟

لست أدري!

واستمرّ يقارن بين الشّاعرين في فكرة «طريق الحياة» عند الخيّام من خلال الفيتزجيرالديّة (رقم 30، ص69 من الطبعة الأولى) دون أن يترجمها, وفي «الحيرة» في المبدأ والمعاد باختلاف «أن الشّاعر العربي يبصر طريقه، في حين أنّ الشاعر الفارسي لا يبصر شيئاً» (ص165). ولفت النظر إلى مسائل أخرى لصيقة بالفلسفة استقاها أبو ماضي من الخيّام لستُ حفيّاً أن أفصّل القول فيها هنا.

فأمّا الذي لا حَيْدة عنه فهو أن ينبَّه على أمرٍ مهم، هو أن لويس عوض وسم قصيدة «الطلاسم» بأنّها «رباعيّات» في غير موضع, فقال مثلاً: «ومن النّاس من يردّد هذه القصيدة دون أن يعلم أنّها رباعيّات إطلاقاً, ومنهم من يعلم أنّها رباعيّات, ولكنّه لا يفطن إلى ما بينها وبين رباعيّات الخيّام من صلة أصيلة في (القالب) والمعاني» (ص163، وانظر ص164-165 كذلك).

إن يكن لويس عوض يقصد «الرّباعيّة» بمعناها المصطلحي الدقيق في الأدب الفارسي, فقصيدة «الطلاسم» ليست «رباعيّات» في أيّ قالب من قوالبها الثلاثة المعروفة: الكامل الموحّد القافية, والأعرج الذي تختلف فيه قافية الشّطر الثالث عن قافيّة الشّطور الأخرى الموحّدة, والكامل المردوف بكلمة أو أكثر في آخر كلّ شطر من الشّطور الأربعة, وإن يكن كلّ مقطع من مقاطع «الطلاسم» الإحدى والسبعين ينتهي باللازمة «لست أدري», والمقطع الذي استشهد به لويس عوض أنصع دليل على هذا.

(4)

وترجم جعفر الخليلي الرباعيّة الآتية التي قال إنّها من المنسوب إلى الخيّام.

والخليلي أديب وصحفي وكاتب عراقي، وُلد في النجف عام 1904م، وعاش السنوات الأخيرة من عمره في الأردن، وتوفي بدبيّ في 2 شباط 1985، وهو من أسرة معروفة بالعلم والجاه والنضال، وكان يعرف الفارسية والإنجليزية.

عمل في التعليم في مناطق كثيرة من العراق, واستقال من «المعارف» في السّنة التي توفي فيها والده, ليعمل في الصحافة. أصدر ثلاث صحف: «الفجر الصادق» و«الرّاعي» و«الهاتف».

خلف آثاراً في معارف شتّى, تأليفاً وترجمة, تقترب من الخمسين, أشهرها: «موسوعة العتبات المقدّسة», و«هكذا عرفتُهم» (6 أجزاء)، غير أنّه اشتهر بالصحافة والأدب والنقد والتاريخ, لكنه تميّز بالقصّة القصيرة التي يقال إنّه رائدها الأوّل في العراق (9).

ترجم الخليلي هذه الرباعيّة الفارسية(10):

كـ ـفتى ترا عذاب خواهم فرمود

من در عجبم كه آن كجا خواهد بود

آنجا كه توئى عذاب نبود هركـ ـز

وآنجا كه تونيستي كجا خواهد بود؟!

فقال:

قلت ليَ: إنّني سأُصليك ناراً

فتحيَّرت في مكان العقابِ!

حيثما أنت لا عذابَ, فأنَّى

لم تكن أنت, كي يكون عذابي؟

الترجمة دقيقة وليست حرفيّة: لم يلتزم فيها بأيّ من ضروب الرباعيّة الأصليّة, بل نظمها في بيتين من بحر الخفيف التّام على روي «البّاء».

(5)

للشّاعر والأديب التونسي د.نور الدّين صمّود(11) بحث بعنوان «ترجمات رباعيّات الخيّام»(12) التفت فيه إلى ترجمة عرار من تحقيقي (13), لأن التّرجمة النثريّة في نظره «تكون دائماً أقرب إلى النّص الأصلي من التّرجمة المنظومة التي غالباً ما تضطرّ صاحبها إلى الحذف والزيادة والتّصرف تحت الضرورة الشّعريّة» (ص186), وهو الرأي عينه الذي حدا بعرار أن تكون ترجمته نثريّة وإن حاول أن ينظمها شعراً. ووهم صمود في عزوه إثبات أصول ترجمة عرار الفارسيّة إليه هو (ص186), لأنّني أنا الذي فعل ذلك.

اكتفى صمّود بالرباعيّة رقم 89 (ص148), التي ترجمها عرار نفسه ترجمتين, فاختار الثانية, وهي:

لقد سمعتُ في السّحر صوتاً مصدره حانتنا

يقول لي: هلمّ أيّها الخليع المجنون

نملأ أقداحنا خمراً

قبل أن تمتلئ كؤوس حياتنا

وأصلها الفارسي:

آمد سحرى ندا زميخانه ما

كاى رند خراباتى وديوانه ما

برخيزكه پـركنيم پيمانه زمى

زان پيش كه پركنند پيمانه ما

ثمّ جعل يوازنها بنظيراتها في ترجمات نفرٍ ممن ترجموها عن الفارسية من مثل: أحمد رامي, وأحمد الصّافي النّجفي, وإبراهيم العُريّض, وعبد الحقّ فاضل, وطالب الحيدري, وجميل صدقي الزّهاوي؛ وبعض من ترجموها عن فيتزجيرالد: محمد السّباعي, ووديع البستاني, وإبراهيم المازني، دون أن تخلو موازناته من تعليق ونقد لصالح ترجمة عرار.

من تلك الرّباعيّات رباعيّة أحمد رامي (14):

سمعت صوتاً هاتفاً في السّحَرْ

نادى من الحان: غُفاة البشرْ:

هُبوا املأوا كأس الطّلى قبل أن

تُفْعِمَ كأسَ العمر كفُّ القدَرْ

ورباعيّة أحمد الصّافي النّجفي (15):

جاء من حاننا النّداء سُحَيْراً:

يا خليعاً قد هام بالحاناتِ

قمْ لكي نملأ الكؤوسَ مُداماً

قبل أن تمتلي كؤوس الحياةِ

ترجم صمود نفسه الرّباعيّة نفسها شعراً عن الأصل الفارسي, كما يقول, مستعيناً بترجمات نثريةٍ وشعريّة على بحور وقوافٍ عدّة (ص196), وذكر ستّاً منها(16): خمس من بحر المتقارب؛ الأولى ناقصة, فأمّا الأربع الأخرى فثلاث من الرّباعي الأعرج (الثانية والثالثة والخامسة), والرابعة من الرباعيّ التام الموحّد القافية. أمّا السادسة فمن الرباعي الأعرج على بحر الخفيف. وهي جميعاً:

(1) أتاني من الْحانِ، وقتَ السَّحرْ،

نداءٌ يقول: غُفاة البشر!

(2) سمعتُ من الْحانِ وقتَ السُّباتْ

نداءً يقولُ: ألا يا غُفاةْ!

أفيقوا لسكْبِ الطِّلا قبل أنْ

تَفيضَ وتُملأَ كأسُ الحياةْ!

(3) سمعت هاتفاً سرى في الظلامْ

يقولُ: أفيقوا غُفاةَ الأنامْ!

لِمَلْءِ كؤوسِ الطِّلا قبل أنْ

تُفيضُ الحياة كؤوسَ الحِمامْ

(4) سمعت هتافاً سرى في الظلامْ

يقولُ: أفيقوا غُفاةَ الأنامْ!

لكي ما تُفيضوا كؤوسَ المدامْ

وتستَبِقوا فيضَ كأس الحِمامْ

(5) سمعت نداءً سرى في الدُّجى

ينادي: انهضوا يا غفاةَ الورى!

لسكب كؤوس الطِّلا قبل أنْ

تَفيضَ وتُملأَ كأسُ الردَى

(6) جاءني صوتُ هاتفٍ في الظّلام

آخرَ الليل: يا غُفاةَ الأنامِ!

استفيقوا ولتملؤوا كأسَ خمرٍ

قبل أنْ تمتلي كؤوسُ الحِمام!

* * *

تكاد الرّباعيّة الأولى, لو وصلت كاملة, تكون أدقّ الرّباعيّات السّت ترجمة لورود لفظة «السَّحَر», فهي الأدّق, لأنّ لفظة «الظّلام» في الرّباعيّات الأخرى لا تؤدي المعنى الذي تؤديه لفظة «السَّحر», التي حرص عليها من ترجموا الرّباعيّة قبل صمود.

الهوامش

(1) هو محمد بن إسحق بن مظهر. من رجالات أصفهان وقضاتها في القرن السّابع الهجري. مدح الخليفة المستنصر العباسي، وكان صديقاً للوزراء الجوينيين في أصفهان وبغداد. اتصل بنصير الدين الطوسي، ووصف رصد «مراغة» الذي أُنشئ في عهده عام 657ه. كان يطمح إلى الوزارة دون جدوى. توفي بأصفهان بعد عام 680ه/ 1281م. من آثاره: «شُرف إيوان البيان في شُرف بيت صاحب الديوان» (مخطوط)، و"نخبه الشّارب وعجاله الرّاكب» الذي حقّق كمال أبو ديب رباعيّاته العربيّة فقط ونشرها في كتاب (دار العلم للملايين، بيرّوت/ 1983). وله قصائد كثيرة ورسائل في فنون شتّى.

(راجع: كامل مصطفى الشيبي، «ديوان الدوبيت في الشعر العربي ومصادره»، منشورات الجامعة الليبيّة- كلية التربية. طبع دار الثقافة، بيروت، 1972).

(2) «ديوان الدوبيت»، ص287؛ ورباعيات نظام الدين الأصفهاني (كمال أبو ديب، ص80).

(3) ورد الشطران الأخيران في نشرة أبي ديب كالآتي:

لا بدّ لذي الخيام أنْ يقلعها

مهما حفر الجيوشُ للتشريب.

(التشريب: من شرّبَ الأرضَ أي جعل لها شربات. والشربة: حويض يحفر حول النخلة والشجرة، ويملأ ماء لتروى منه).

(4) لم ترد في «ديوان الدوبيت في الشعر العربي».

(5) الطاق: ما جعل من الأبنية كالقوس.

(6) «ديوان الدوبيت»، ص288 (حاشية).

(7) Rubaiyat of Omar Khayyam. Edited by George F. Maine. Glasgow and London 1980.

(8) ديوان إيليا أبو ماضي شاعر المهجر الأكبر، ص193-216. دار العودة بيروت (د. ت).

(9) راجع: مشكور الأسدي: رؤوس أقلام عن الأستاذ جعفر الخليلي. في كتاب الخليلي «هكذا عرفتهم (4)»، ص230-232. دار التعارف، بغداد، 1972, والموقع الالكتروني: https://ar.wikipedia.org.wiki.

(10) «نفحات من خمائل الأدب الفارسي», ص33، بيروت، 1965.

(11) راجع عنه:

- «معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين» (5)، ص564-565. الكويت. ط2، 2002.

- منصف الوهايبي ومراجعه في: «قاموس الأدب العربي الحديث»، ص837. الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة، 2015.

(12) مجلة الدراسات الأدبيّة، الجامعة اللبنانيّة، بيروت. العدد (66)، ربيع 2009, ص183-202. وأعاد نشره في: فصليّة «إيران والعرب»، بيروت. السّنة (8)، العدد (25)، صيف 2010, ص129-145.

(13) دار البيروني، عمّان. ط4: 2016.

(14) «رباعيّات الخيّام», ص35. مكتبة غريب، القاهرة، 1985.

(15) «رباعيّات الخيّام» (الرباعيّة رقم 47، ص18). مصوّرة طهران عن الطبعة الأولى بدمشق (1931م).

(16) سقطت جميعها من بحث «الدراسات الأدبيّة», لكنها موجودة في بحث فصليّة «إيران والعرب» (ص140).