ميّادة أنور الصعيدي ناقدة فلسطينية

يحتفي الروائي جلال برجس في روايته «دفاتر الورّاق» بقضيّةٍ مركزيّةٍ مؤطّرة للسّرد، وتشتغل وفق رؤيةٍ مركّبةٍ تتوزّع ما بين الفكري والعاطفي، وهي جدليّة الخوف والحبّ، وقد عبّر عنها بطرقٍ سرديّةٍ مختلفةٍ كـاللّغة، والحوار، والصّراع بنوعيه... وبشخصيّةٍ مركزيّةٍ تتفاعل مع بنية الأحداث؛ ليخلق صراعاً قائماً بين طرفي الجدليّة: الخوف والحبّ.

إلّا أن ما يميز هذا الصراع الطابعُ الإنسانيّ الذي يجسّده واقع البطل والشخصيّات التي تتفاعل معه في سياق الحكاية، ومن الجدير بالإشارة إلى أنّ الصراع بين الخوف والحب يشتغل بفاعليّة في البنية العميقة للأحداث في الفصول الثلاثة الأولى، ويعمل على توجيه القرّاء إلى الأسباب الكامنة التي انبثق عنها وشكّلت جدالاً بين الخوف والحبّ، وسرعان ما يظهر هذا الجدال على البنية السطحيّة لأحداث الفصول الأربعة التالية، ويتّضح أكثر من خلال الحوار الداخليّ لشخصيّة الورّاق «إبراهيم جاد الله»، وحواره مع السيّدة «نون»، تلك المرأة المجهولة التي صودف أن رآها حينما همّ بالانتحار، ولقد تعرّف على هويّتها بعدما أصبح لصاً محترفاً. يقول: «يبدو أن المتشابهين في الحزن وفي المصائر يعرفون بعضهم بعضاً جيداً» (ص101)».

لقد انبثق الخوف من خلال سرد ذكرياتٍ موجعةٍ لبطلي الرواية، ومرورهما بتجارب قاسية خلّفت الكثير من الخوف كـــالحرمان، والذلّ، وانتهاك للحقوق، بالإضافة إلى موت الوالدين، وعزلتهما.

إنّ إحساس البطل إبراهيم بتغيّر الحياة المذهل هو ما جعله أكثر قلقاً وخوفاً من الآتي: «كلّ شيءٍ تغيّر، البلاد، العباد حتى الهواء تغيّر، فالعالم على مقربةٍ من أن يُرقمن حتى الإنسان ليضمن عدداً ممن لا نراهم أن يسير الجميع في طريق واحدة اختطوها لنا» (ص31). ويبدو واضحاً أنّ حياة الإنسان المعاصر ليست ملكاً له، إنّها تتطوّر وتسير وفق خطط مبهمةٍ ومسبقةٍ، قد تؤدّي إلى لجوء الإنسان إلى الانتحار، أو إرغامه بعملٍ لا تحمد عقباه: «العفن صراخ الجدران واستغاثتها، فاحموا البيت لئلا تقع الكارثة» (ص25). وهنا كناية واضحة في لغة الروائي، فقد أراد بالعفن تلك الآلام التي استقرّت في الأرواح، وقد يقصد بالبيت روح الإنسان أو الوطن ككلّ، وقد يقصد بالكارثة تلك المصائب التي يمكن أن تحدث إن لم تنتبه الحكومات إلى معاناة الناس، وهنا أطلق العنان لمخيّلة القارئ قبل أن يكشف ما حدث مع الورّاق.

لقد كانت صور الذكريات وأصواتها المفجعة لدى الورّاق أحد أهم المصادر التي خلّفت الخوف والقلق والعزلة والاغتراب لديه: «داهمتني أصوات عدّة: صوت أبي...صوت الكشك يتهاوى، صوت عقارب ساعة الحائط تؤكّد عزلتي، صوت الأستاذ جاد الله يرفض ذهابي إلى الحمام، وصوت أنيني خجلاً...صوت مسؤول... يطلب من الناس أن يشدوا الأحزمة على البطون» (ص27). ويبدو واضحاً اشتراك البيت وقاطنيه، والمدرسة، والعمل، والمسؤول، وذات البطل في خلق هذا الشعور وتلك الحالة: «الخوف رسامٌ غريب يخطّ على ورق مخيّلاتنا ما لا نتوقعه» (ص224). فقد بقيت صورة والده وجسده معلقاً في السقف تبقر ذاكرته، وصوت ذلك المجهول الذي يتربّص به في لحظات العزلة قائلاً له: «وهل تعتقد أيّها الغبي أن العالم يمضي على نحوٍ سليم؟ الناس مرضى بما صاغوه لهم، يشعلون الحروب، يبتكرون أمراضاً، يغتالون أصواتاً، ويعلون من أخرى» (ص75).

إنّ هذا الصوت الخفيّ القادم للبطل من أعماقه يمكن أن يكون شيطاناً قد تلبّس به ويحاول بكلّ إغراءاته وسطوته أن يسيطر عليه، ونظراً لتلك العزلة والوجع والآهات والأصوات والصور الني سيطرت عليه، فإنّه بالضرورة سيصغي لهذا الكائن في داخله، إذ يحاول أن يزيّن له عمله بعدما يحثّه على الفعل: «أنت القادم من جوع قديم، وهم الراسخون في ثرائهم الفاحش، ماذا لو كان بحوزتك مسدس وصوبته نحوهم الآن؟ ما الذي سيحدث إن تخلّص العالم من عدد ممن جعلوا كتفيك درباً لهم» (ص74). إنّه يأتيه من حيث تكمن أوجاعه، فيدخله في متاهة المقارنات بينه وبين فاحشي الثراء، فقد وضعه أمام خيارين؛ إمّا أن يلجأ للانتحار، أو أن يصبح لصّاً قاتلاً عن طريق تقمّصه لشخصيّات روايات كان قد قرأها أثناء بيعه للكتب على كشك الورّاق.

ولقد تشابه إبراهيم ومحبوبته المجهولة في الأحداث التي آلت إلى خوفهما، لكن إبراهيم كان أكثر استجابةً منها للخوف وانصياعاً لأوامره، إذ بدت هي أكثر تماسكاً ومواجهةً منه، حيث قالت: «تنكرت لذاكرتي ولسكانها، ليس لأنّي لا أحبهم؛ بل لأنّي كنت شغوفةً بأن أستردّ نفسي منذ أن وجهوا لي الأمر الأوّل» (ص133). كلّ ذلك لتطرد برداً داخلياً قد أرّق روحها، وخوفاً أرغمها أن تكون رهن الموت البطيء؛ لذا فإنّ لجوءها للعلم والعمل جعلها ترفض الكثير، تقول: «فنحن لا نكتشف نعمة السكون إلّا إذا منينا بفجيعة الصخب» (ص95).

تزداد وتيرة الأحداث ويشتدّ الصراع بين الخوف والحبّ؛ ويهدم الروائي الحدود بين العالمــَين، ويتلذّذ القارئ بتجليّات الحبّ في أسمى معانيه، وتنقشع ظلمات البطل، ويتبدّد ليله بالبحث عن السيّدة المجهولة التي فتحت آفاقاً رحبة للحياة، بل يجعل القارئ يلهث معه في تسابقٍ مع الأحداث ليستدل على الكفّة الراجحة، ويضحي أكثر شغفاً وتعلّقاً كما البطل بتلك الغيمة التي هطلت فجأةً على روحه المشبّعة بالخوف والعدم: «كيف بعد كل هذا العمر الذي خلا من أي أنثى أن تفعل بي امرأة كل ما فعلت بدقائق معدودة؟» (ص121).

ويبدو الروائي أكثر مراوغةً لفكر القارئ، فتارةً توحي لغته وأحداثه بأنّ الخوف وحشٌ سيقضي على البطل إن لم ينصاع إليه، وتارةً يعلي من صوت الحبّ في قلب الورّاق، فحين انصاع لحنينٍ جارفٍ للحياة مع اللحظات الأولى لرؤية المحبوبة، بدا أكثر مواجهةً لذلك الخوف المتربّص في أحشائه فزجره عن العمل، ورفض الانصياع لأوامره في أوج ازدهاره بالحبّ، فحين يشتدّ أثير الحبّ عليه؛ يصبح أكثر تأمّلاً لمظاهر الطبيعة، ويتجلّى الوصف البديع لها بين طيّات الأحداث، ويظهر إبراهيم أشدّ تحمّلاً وشوقاً في البحث عن الحبيبة المجهولة «السيّدة نون»؛ فوجود المرأة في حياته رمز ذكيّ من الروائي إلى الوجه الآخر الجميل للحياة، حيث الاتّصال والتّفاعل وقهر العزلة، والدفء والأمان، وكم تبدو هذه المفارقة الدراميّة مرحلةً حاسمةً مقلقةً للقارئ، حيث إنّه في حالة تأهّبٍ للآتي من الأحداث، خاصّة أنّ الروائي قد جعل الفضاء المكانيّ لإبراهيم وهو «بيته» يضيق به وبالقارئ في السياقات الأولى؛ ما إن تماهت به معشوقته أصبح فضاءً رحباً، يعجّ بكلماتها التي غيّرت مساره، وعَدَلَتْه عن إنهاء حياته.

بالفعل/ فإنّها «ساعاتٌ أخيرة بهجاتٌ أولى» كما أسماها الروائي، لكن قبل هذه الساعات وظّف برجس لغته وتقنيات سرده كلّها كي يدخل القارئ إلى عالم الموت البطيء، والعزلة، والخوف، والظلام، والقهر المطبق، وفي البهجات الأولى استطاع أن يشدّ القارئ إلى انفتاح الحياة، والتّفاعل، والنّور، والرفض للانصياع، على النّقيض ممّا كان القارئ والبطل فيه، وكأنّه يريد أن يقول: «الحب عاطفةٌ عاصفةٌ تَحْكُم ولا تُحْكَم، تسيطر ولا تقاوَم، أستطيع أن أصوّر عالمكم ودواخلكم وهي حافلة بالحبّ، غنيّةٌ بالعواطف الإنسانيّة، مليئةٌ بالوجدانيات، وفي الوقت نفسه أستطيع أن أصوّر حياتكم وهي تعجّ بالخوف، فأيّ الطّرفين أحقّ بالعيش؟!».

ويشير هذا إلى تمكنّ الكاتب من أدواته السرديّة، ومعرفته بحاجات النّفس البشريّة. فالخوف هو من أردى بالوراق صعلوكاً، حيث تقمّص شخصيّات أبطال رواياتٍ كان قد قرأها، والحبّ هو الدافع وراء انسانيّته واهتمامه بأطفال الملجأ: «أقسى أنواع الوجع أن يكتشف الواحد منا أن حياته تشكّلت على نحوٍ لم تكن لنا يد فيه، كنت تراباً نقيّاً من الحصى فعجنه والدي بماء الخوف... إلى أن وصلت مرحلة ملأت العتمة فيها روحي، فصار الموت فرصةً للذهاب نحو البياض» (ص355).

الحبّ قوّة معنويّة تجعل الجبان شجاعاً، وهذا ما حدث مع الوراق حين أراد إنهاء حياته، وتراجع عند أوّل لحظات الحبّ: «من هذه التي تقف على تخوم حيرتي كنوتة عالقة في بال عازف مهزوم بسطوة اللحن حينما يسير الحجر على خفة الماء، ويبقر بأنينه ليلاً ميسراً درباً لتأويلٍ جديدٍ لما كان قبل المكيدة؟» (ص123).

تشتدّ مناكفة الصراع بين الخوف والحبّ في سياق الأحداث، فما إن تغيب المحبوبة ويفشل البطل في لقياها، يلجأ إلى تقمّص شخصيّة في روايةٍ ما، كتعويض عمّا ينقصه، وانصياعاً لذلك الكائن المخيف في أعماقه، فهو يتقمّص شخصيّة «كوازيمودو» في رواية «أحدب نوتردام"؛ ليسطو على البنك، ويوفّر لأولئك المشرّدين ما ينقصهم، بالمقابل يذكر مغامرات هذا البطل مع محبوبته «أزميرالدا» كتعويض عن المحبوبة المفقودة، ويضع الروائي القارئ في شغفٍ وهو يقرأ المزيد من تلك المغامرات، ثمّ يكشف أسبابها ونهاياتها التي لم تكن بالحسبان.

حاول إبراهيم بإرادة الحبّ أن يقاوم الكائن الغاضب المغتصب لروحه قدر استطاعته، ومن خلاله أصبح يكتب لغة الحب التي تجعله متأكّدً بأنّها ستردم هوته المعتمة فيحظى بتلك السكينة التي حلم بها منذ لقائه الأوّل بالحبيبة، والمفارقة اللذيذة التي أحدثها الروائي في ختام روايته الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2020) أنّه ترك القارئ صريع أفكاره بحيث لا يستطيع أن يجزم مَنْ المنتصر على الآخر؛ الخوف أم الحبّ؟!