الاختيارات والإجراءات التي نقوم بها اليوم لاحتواء الجائحة أو التعايش معها، سترسم معالم الغد وطبيعة التحديات المستقبلية التي سنواجهها ما بعد الكورونا، فالأزمة كبيرة ومعقدة، تتشابك فيها الملفات الاجتماعية والاقتصادية بالسياسية والصحية، ومن الطبيعي جدًا حصول بعض الأخطاء في التعامل معها، أو ظهور أعراض جانبية لأية حلول مقترحة، وكذلك عدم تطابق وجهات النظر حول الحلول والاشكالات أو حتى في تقييم الوضع العام كان وبائيا أو غير ذلك، لكن المهم هو الحفاظ على عملية التعلم المستمرة من الأخطاء وتصحيحها بترك قنوات التغذية ا?راجعة مفتوحة على آذان مصغية وتحمل المسؤولية الفنية والأدبية للخطوات المتخذة وتوابعها.

إضافة لتحفيز الشارع على الاشتباك مع قضاياه، ليقاسم الحكومة المسؤولية كشريك واعٍ كما حصل في كوريا الجنوبية وسنغافورة، من دون الحاجة الى ارهاق أجهزة الدولة واستنزاف طاقاتها.

الحلول والاستراتيجيات التي نتبعها اليوم في علاج ملفات التعليم والمديونية والبطالة، ستشكل نتائجها ملامح واقعنا غدًا، لذلك يجب أن نفكر بها على المدى البعيد وليس بطريقة الهروب الى الامام وتصدير التحديات للمستقبل، فعلاج البطالة المستدام في رفع معدلات النمو الذي يحتاج الى جذب استثمارات كبيرة وزيادة المصاريف الرأسمالية، ودعم القطاع الخاص، ولا يجب أن يتم كل ما سبق بمنطق القيم المطلقة بل تحت استراتيجيات الشراكة والإفادة من الإمكانيات، للوصول الى مصلحة الجميع تحت عنوان (هذا ما نحتاجه لنقوم بأفضل ما نستطيعه في ظل ال?مكن) وكذلك ملف التعليم فنحن لا نريد أن نخرّج المزيد من المعطلين عن العمل، وقد تكون ظروف الجائحة فرصة لإعادة هيكلة استراتيجيات التعليم المدرسي والجامعي بكل تفاصيلها من عدد السنوات والمساقات والمناهج والشراكة بين القطاعين الخاص والعام والتخصصات الجامعية وأسس القبول وطرق التدريس، فتجربة الدراسة عن بعد قد تفتح فرصا لتمرير هذه التغييرات بسلاسة وسرعة لا تسمح بها الظروف العادية.

في إدارة الازمات يجب أن نوفق ونعادل بين مجموعة من العوامل وهي: تقليل نسب الخطورة ما أمكن، ورفع مستوى الاستعداد والعمل على توفير أكبر عدد ممكن من وسائل الوقاية ولوازم العلاج، للخروج بأقل الضحايا والخسائر، وفي مواجهة جائحة وباء عالمي ستكون هذه المعادلة صعبة التحقيق فلا يمكن أن نخيّر الناس بين الصحة والبطالة أو الفقر، فصحة الانسان غالية وانتشار الوباء يهدد الحياة بطريقة مباشرة وغير مباشرة اذا اخذنا بالحسبان اضطراب القطاعات الصحية وانتقال العدوى لفرقها مما سيؤثر على قدراتها الاستيعابية عموما، وكذلك فإن خطر الت?هور الاقتصادي حقيقي وقد بدأت مقدماته بالظهور من انكماش عالمي وتدن لمستويات الدخل وارتفاع خطير في نسب البطالة وانتشار (الفقراء الجدد) بعد تمدد الفقر على حساب الطبقة الوسطى، وبكل بساطة الحظر الشامل سينقلنا الى «عصر الجليد الاقتصادي» وانتشار الوباء كذلك قد ينتهي بنا الى (كساد عالمي) فنكون كمن احتمى من نار الوباء ليصطلي بلهب الفقر والبطالة.

الأزمات وظروفها الاستثنائية توفر فرصًا استثنائية، لهذا يجب أن نبحث عن حلول ومخارج جديدة خارج الصندوق تقدم لبلادنا ما بعد غدٍ مشرق.

Saifalrawashdeh0@gmail.com