أبواب - وليد سليمان

من الدراسات الحديثة للباحث » درويش الكاشف» في تاريخ منطقة السلط والبلقاء عموماً كانت تلك المتعلقة بعلمٍ من أعلام الأردن وهو الشيخ «مصطفى يوسف زيد الكيلاني» والتي صدرت من خلال منشورات جمعية رابطة علماء الاردن عن الرواد الاوائل, في كتاب صغير الحجم عظيم الفائدة التاريخية.

والشيخ مصطفى يوسف زيد الكيلاني هو أحد العلماء الذي حظيت به مدينة السلط بعد تخرجه من الجامع الأزهر الشريف سنة 1277 هجرية, ليعمل فيها إماماً وخطيباً لمسجدها الكبير, ومرشداً وواعظاً وفقيهاً وقاضياً ومعلماً ورائداً للاصلاح.. في زمن كانت تسوده الأُمية حتى أتاه اليقين واحتضنته تربتها ودفن في مقبرة العيزرية بالسلط سنة 1891 حيث كان مولده عام 1834.

والشيخ العالِم مصطفى ووالده الشيخ يوسف كانا يشكلان الأساس والقاعدة التي انطلقت منها جهود آل الكيلاني في البلقاء عموماً وفي مدينة السلط خصوصاً.. وأبناء الشيخ مصطفى وأحفاده وأبناؤهم شكلوا سلسلة ذهبية من العلماء والقادة والقضاة والمفكرين والتربويين الذين انتفعت بهم الأمة.

آل زيد الكيلاني

يعود أصول هذه العائلة إلى الشيخ عبد القادر الكيلاني- الجيلاني، صاحب المدرسة الإصلاحية الكبيرة ومؤسس الطريقة الصوفية التي عرفت باسمه وأسسها في بغداد.

ويرجع نسب الشيخ عبدالقادر إلى الفرع الحسني من جهة الأب، وإلى الفرع الحسيني من جهة الأم.. وأحد أولاده هو عبدالرزاق الذي تحدّر من نسله فيما بعد؛ السيد سيف الدين يحيى الذي أستوطن مدينة حماة سنة 723هـ.. ومن نسله أيضا تحدّر عبدالله جمال الدين الذي انتقل من حماة وأستقر في قرية يعبد بفلسطين مطلع القرن العاشر الهجري.

ومن أشهر أبنائه القطب الأكبر الشيخ زيد الأول الذي ولد سنة 1021م، وإليه تنتسب عائلة زيد الكيلاني في فلسطين والأردن.. ولهذه العائلة فضل كبير في رفعة الأردن بمختلف المجالات الدينية والتعليمية والثقافية والقضائية والصحية والسياسية وغيرها.

حياته الشخصية

اسمه: هو مصطفی بن يوسف بن عبدالغني زيد القادري/ الكيلاني، نسبة إلى الشيخ عبدالقادر الجيلاني أو الكيلاني (1077 – 1167م) والذي يعود نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب من جهة أبيه، ولأخيه الحسین من جهة أمه. وذلك بحسب الوثائق وشجرة العائلة المحفوظة لديها.

مولده: ولد الشيخ مصطفی في مدينة نابلس سنة 1252 هجرية/ 1834 ميلادية، وكان يتبع المذهب الحنفي.

والده: الشيخ يوسف بن عبدالغنيي (1222 – 1303هـ) هو من الذين قدِموا من مدينة نابلس الى مدينة السلط في أواسط القرن التاسع عشر الميلادي.. مع الاحتفاظ بموقعه في مدينة نابلس، حيث كان يتمتع بشهرة دينية واجتماعية عالية.. وكان عضواً بارزاً في الطريقة الصوفية القادرية.. وحليفاً لعائلة عبدالهادي من زعماء نابلس في تلك الحقبة، وشريكاً لهم في التجارة، وله دور كبير في نشر التعليم بمدينة السلط وإعمارها.

أما جد الشيخ مصطفی الشيخ عبدالغني، فقد اشتهر بالكرامات التي تُجرى على يديه، وكان وولده يوسف قد جمعا بين العلم والطريقة الصوفية القادرية، مع البُعد عن مناصب الدولة والعمل في التجارة، وهذا ما جعل الدولة العثمانية تحسن اختيار ولده يوسف ليكون عضواً في مجلس إدارة البلقاء في ذلك الوقت.

في كتاتيب نابلس

وكان الشیخ مصطفی قد تلقى تعليمه الأولي في الكتاتیب بمدينة نابلس، وكانت أقدم أنظمة التعليم أثناء العهد العثماني، واستمرت حتى منتصف القرن الماضي.. وكان يتولى التدريس فيها شيخ الكُتّاب ومدة الدراسة ثلاث سنوات، يُدرّس فيها القرآن الكريم والقراءة والكتابة والحساب وعلوم أخرى.

وبعدها التحق الشيخ مصطفی بالجامع الأزهر الشریف بمصر سنة 1267هجرية، وتخرج سنة 1277هجرية، حيث أمضی في مصر مدة عشر سنوات، ونال بعدها الإجازة العلمية في التدريس والفتوى، وهي أعلى درجة علمية يمنحها الأزهر وتعادل درجة الدكتوراه في الوقت الحاضر.

دور الجامع الأزهر

وكان الجامع الأزهر المرجع الثقافي والديني الأول للبلاد العربية والإسلامية، وعُظم دوره مع ضعف التعليم في أواخر العهد العثماني، و شعر علماء الأزهر الشريف بعظم هذه الرسالة، فكانوا يهيئون خريجيهم نفسياً وعلمياً لنشر العلم في البلاد النائية والمجاورة، حيث تكون الحاجة ماسة إليهم.

ومن العلوم التي كانت تُدرّس في الأزهر: الفقه والفرائض والتوحيد والتفسير والحديث والمنطق واللغة والبديع والعروض.. كما كانت ثقافة خريجي الأزهر ممتدة لدراسة دواوين الأشعار والقصص والتاريخ.

التكوين العلمي للشيخ

والشيخ مصطفى كان في سن الخامسة عشرة من عمره عندما التحق بالجامع الأزهر حيث بدأ بتلقي العلوم التخصصية، بعد أن كان قد تلقى العلم في المرحلة الأولى التأسيسية على يد والده الشيخ يوسف... فمن العادة أن يبدأ الطالب بتعلم القراءة وحفظ القرآن في الكُتَّاب، كما هي حال كل من يريد طلب العلم في ذلك العصر.

والشيخ مصطفی رحمه الله سلك هذا المسلك الذي توجه بتخرجه وحصوله على (الإجازة) من أساتذته وشيوخه في الأزهر الشريف.. حيث جاء في «إجازته- شهادته": ( العلامة الأريب محل الهمم والوفاء ولدنا الهمام الرحلة الشيخ مصطفی زید، سلالة الفضائل والتقوی والحال من الكمالات في الدرجة القصوى التي رفع عمادها والده علم الديار الشامية ومولاها وبركتها، وطراز معناها جبل الخيرات... الخ).

الإجازات والدرجات

والإجازة درجة علمية عالية يمنحها العلماء لمن يستحقها، وهذه الإجازة في اصطلاح العلوم الإسلامية لها معنیان:

الأول: الإجازة الحديثية التي هي إحدى طرق نقل الحديث وتحمله، وهي «إذن الشيخ للطالب في الرواية عنه من غير سماع منه ولا قراءة عليه، فهي إخبار إجمالي بمروياته»، والإجازة التي وصلت إلينا للشيخ مصطفى من شیوخه وأساتذته لم تكن حديثية ابتداء، لأن الإجازة الحديثية المشهورة المتعارف عليها عند أهل هذا الشأن لا تحتاج إلى عشر سنوات إقامة ودراسة على العلماء في مجالسهم، وفائدتها اتصال السند والرواية، بخلاف النوع الثاني من الإجازة.

والنوع الثاني: وهي الإجازة في المفهوم التعليمي في الحضارة الإسلامية، وتعني حصول الطالب المجاز على شهادة عليا في التخصص, مع السماح له بالتعليم وممارسة العمل الذي يدخل في حقل الاختصاص, الذي تعلمه وأجيز فيه وأتقنه.

فالشيخ مصطفى درس علوم الشريعة من فقه وأصول وحديث وتفسير وعقيدة ولغة ونحو وصرف، وهذا يؤهله للتدريس والوعظ والخطابة والدعوة والإفتاء والقضاء، ومتطلبات الاجازة ترتبط بالمجيز وما تقضيه مناهج العلوم التي ينبغي للطالب أن يتعلمها على أيدي شيخه وأستاذه، وهي عادة تكون في علوم محددة, من حيث المتون والشروح والحواشي على تلك الشروح، كما تكون في علوم أخرى باتقان مهارات معينة مثل تلاوة القرآن الكريم والقراءات.

والأزهر الشريف وفق مناهجه كما هو الحال في المراكز الدينية: الزيتونة والقرويين وبغداد وحلب ودمشق, وغيرها من مراكز الإشعاع العلمي والتعليمي في تاريخنا الإسلامي؛ حيث يتسلسل الطالب فيها من حفظ المتون وإتقانها، إلى شروح متوسطة لتلك المتون، ثم إلى شروح مفصلة مع الحواشي على الشروح للكتب المقررة.

حياته العملية

بعد تخرج الشيخ مصطفى من الجامع الأزهر سنة 1277هـ، رغّبه والده الشيخ يوسف للانتقال إلى مدينة السلط، ليكون مرشداً ومعلماً لأهلها, حيث كانت المدينة تفتقر إلى وجود العلماء المؤهلين في علوم الشريعة، وكان ترغيب الشيخ يوسف لولده الشيخ مصطفی رحمه الله بالهجرة إلى السلط بأن قال له: (إذا أردت الدنيا فابق في نابلس، واذا أردت الآخرة فاذهب إلى السلط, لتكون معلماً لأهلها ومرشداً لهم للخبر والصلاح والهدى والفلاح).

واستجاب الشيخ مصطفى لدعوة والده لأنه كان صاحب رسالة ودعوةَ, يعيش لرسالة الإسلام ويشعر بواجبه في الدعوة إلى الله, وتعليم الناس الخير، فعُين إماماً وخطيباً في مسجد السلط الكبير سنة 1278هـ، وقد اطلع على الحياة الإجتماعية في السلط.. وبدأ بالإعمار والإصلاح ونشر العلم في مدينة السلط, وكانت له العديد من المنجزات والآثار:

- إعمار مسجد السلط الكبير: حيث بدأ الشيخ بجمع التبرعات لهذا العمل الكريم، وقد شارکت بعض القبائل الأردنية وأهل السلط بهذا العمل، وتمت عمليات التوسعة والترميم وإقامة محال تجارية ملحقة بالمسجد لتدر الأموال على واردات الأوقاف.

كما أقام على تلك المحال مبنى للمحكمة الشرعية وأخرى للأوقاف الإسلامية.. ثم واصل الشيخ رسالته بالوعظ والإرشاد والإصلاح بين الناس بهمة عالية، وكان يُشار إليه بالسجلات الشرعية بالقادري.

- المشاركة في الحِلَق العلمية: التي كانت تعقد في المسجد، وكان من أشهر تلاميذه الذين لازموه طيلة حياته الحاج طعيمة الحياري والحاج عواد المفلح العطيات، والذين استمروا في هذا النهج حتى بعد وفاة شيخهم، فكانوا يعلمون الناس مبادئ الدين الحنيف، ويفتخر بعضهم بقوله حدثني شيخي بكذا وكذا... ويروي الآيات والأحاديث ویفسرها كما تعلمها منه.

- الإفتاء والقضاء وبيان الأحكام الشرعية، حيث كان الشيخ مصطفى يتولى الإفتاء للناس في شؤون الحياة المختلفة, كما كان يقضي بينهم أحياناً.

- المشاركة في شعبة المعارف: وكانت تضم أعضاء طبيعيين من نائب القائمقام والمفتي وأعضاء منتخبين من الأهالي، وقد تشكل أول مجلس لشعبة المعارف سنة 1302هـ/ 1883م. وكان من مهامها تنفيذ تعليمات نظارة المعارف في اسطنبول، ومديرية المعارف في مركز الولاية، والإشراف على سير وأعمال التعليم.

ولقد قفزت الحركة التعليمية في تلك الحقبة خطوات كبيرة، لا سيما في التصدي للحركات التبشيرية التي بدأت تغزو المنطقة.

- المشاركة في لجان: تخمين المزروعات والأراضي.

- العضوية في مجالس إدارة القضاء: حيث كانت سيرة الشيخ مصطفى في دورات مجالس الإدارة صورة مشرقة لنزاهته وحرصه على خدمة مدينته السلط وإعمارها.

- كان من واجبات مجلس الإدارة: متابعة الأمور الملكية والمالية والضابطة والتحصيلية المتعلقة بالطابو (تسجيل الأراضي) والزراعة التي تقع ضمن صلاحيات القائمقام.

- إعداد القادة: ولقد كان للشيخ مصطفى فضل كبير في اعداد الدعاة والعلماء وقادة الحركة الدينية والعلمية في مدينة السلط.

جهود أخرى...

وفضلاً عن الجهود العلمية والإدارية التي قدمها الشيخ مصطفى رحمه الله فقد كان له حضوره الاجتماعي المشهود في حياة الناس على امتداد لواء البلقاء، التي كانت عمان تتبع لها إدارياً في ذلك الوقت.

وقد كشفت الوثائق التاريخية عن الاحترام والتقدير الذي كان يحظی به الشيخ مصطفی رحمه الله بين أهالي البلقاء وعشائرها الممتدة، إذ كان يحرص زعماء العشائر ورجالاتها على مشاركته ومباركته للعهود والمواثيق الكبرى التي تجري بين الناس لتوثيقها وإكسابها صفة الشرعية والصحة.

ومن ذلك أنه كان حاضراً على الاتفاقية التي تمت عام 1877م بين الشیخ صايل عبدالله الحديد وصياح اذفيل محمد الحدید، وبين السيد صالح افندي الناصر أبو جابر في بيع أراض واسعة تقدر بآلاف الدونمات من منطقة وادي الحديد–قرية عمان–(منطقة اليادودة والخربة حاليا) التي كانت تتبع إدارياً ً لقضاء السلط في ذلك الوقت، وقد تضمنت الوثيقة حدود الأرض من جهاتها المختلفة، كما تضمنت الوثيقة أسماء الذوات من رجال العشائر الذين شهدوا على هذا البيع.

أوصافه وشخصيته

ويُصف الشيخ بأن من مزایا شخصيته زهده في الدنيا، وحرصه أن يعيش حياة الكفاف، ما جعله يرفض مكافآت الدولة عن الأعمال الإدارية التي كان يشارك فيها.

كما كانت سيرته في عضوية المجالس الإدارية والتعليمية والوقفية وغيرها صورة مشرقة لنزاهته وحرصه على خدمة مدينة السلط وإعمارها.

عُرف عنه رفضه زيارة المسؤولين أو مراجعتهم لأغراض شخصية، ما كان يدفع هؤلاء آن يزوروه، وكان ذا عزة وأنفة، مؤمنا أن العالِم يؤتی ولا يأتي.

ومن صفاته أنه كان معتدل القامة، عليه سمة وسماحة العلماء. وكان يرتدي الجبة ويعتمر العمامة.. وعُرف عنه أيضأ قوة الصبر والجلد على التعلم وتلقي العلم، وكثير التعبد, وكانت له رغبة شديدة في حفظ المتون وشرحها.

وكان أحد المستشرقين قد زار مدينة السلط ورسم صورة الشيخ مصطفى في مؤلفه وذيلها بعبارة «عالم السلط سنة 1860م». وظهرت هذه الصورة في إحدى المجلات الأجنبية.

وقد كان لوفاء أهل السلط وطيب معادنهم الحب الذي غمر قلوبهم للشيخ مصطفى وأولاده من بعده، فقد كانوا يسمون أبناءهم بأسماء أبناء الشيخ مصطفى تيمناً وتبريكاً.

والجدير ذكره أن أسرة الكيلاني قد صاهرت العديد من عائلات وعشائر السلط منها: العواملة والحيارات والنسور والعطيات والقطيشات والرحاحلة، وغيرها.