وُلد الكاتب المصري الشهير «أنيس منصور» في العام 1924 وتوفي عام 2011 وقد درس الفلسفة ودرَّسها في الجامعات المصرية, وقد أشتهر بثقافته الواسعة وبرحلاته حول العالم وبكتاباته وكتبه الكثيرة جداً القريبة من قلب القارئ البسيط.

وقد كتب في شتَّى المجالات منذ بداية دخوله في عالم الأدب؛ من روايات ومسرحيات ومقالات وأدب رحلات وما وراء الطبيعة.

ومن كتابه «عاشوا في حياتي» نقرأ ما يلي:

من الصعب أن تعرف إنساناً جيداً، إذا كنت تحبه، فأنت تراه ولا تراه، وإذا كنت تكرهه أيضاً، فأنت لا تحب أن تراه، فكيف تعرفه وأنت لا تراه، وأنت قد أسقطه من عينيك، أو سحقته بعينيك، أو أغمدت في قلبه رموشك. فالذي يحب كالذي يكره، لا يرى بوضوح!!.

ولكن لا بد أن تحب ولا بد أن تكره، ولذلك فأنت لا تعرف الناس جيداً، وإنما تعرفهم بالتقريب، أو تعرفهم بعض الوقت، وتحبهم بعض الحب، وبعض الكره، فأنت تعرفهم إلا قليلاً.

و«القرد في عين أمه غزال»، إذا أحبته، وفي عينيها قرد إذا كرهته، ولكل إنسان عدة صور، صورتك كما ترى نفسك، وصورتك كما تحب أن ترى نفسك، وصورتك كما يراها الناس.

فإن كنت أديباً أو فناناً فأنت تساوي ما تقدمه للناس، فأنت تساوي كتبك او لوحاتك او موسيقاك او تماثيلك. ولا توجد وسيلة أخرى لكي يعرفك الناس غير هذا الذي أبدعته، او عجزت عن إبداعه، ولكنك لست في كل الاحوال قادراً على الابداع، فأنت تتعب وأنت تضيق، وأنت تحب، وأنت تمل، وأنت على أعصابك كاتباً او قارئاً، ولذلك فليست لك صورة واضحة لا عن نفسك ولا عن الناس.

واذا أنت نظرت في المرايا، فهناك مرآة تجعلك صغيراً، وأخرى تجعلك كبيراً، وثالثة تجعلك مقعراً، ورابعة تجعلك محدباً، وخامسة تجعلك أصفر اللون، وأخرى أبيض، وأخرى أحمر.

ورأي الناس مثل هذه المرايا !!! فأنت متعدد الألوان والأحجام والأوزان والأهمية والقيمة والأثر عند الناس.. واذا سألت الناس فأنت مثل الذي يسأل جميع المرايا، فماذا لو نطقت جميع المرايا معاً.. سوف تسمع ضجيجاً من النظريات، وضوضاء من العواطف، وترى تلوثاً من الأمزجة، وكلها هي: أنت في عيون وآذان وأنوف وعقول وقلوب الآخرين!!.

وأنت لك وجهة نظر، وأنا أيضاً، وأنت على حق، وأنا أيضاً، والذي يعجبني فيك، هو الذي أحبه لنفسي، والذي لا يعجبني فيك، هو الذي لا أحبه لنفسي، والذي أقبله بالعقل، أرفضه بالقلب، والذي أستريح إليه وجدانياً أنفر منه عقلياً.

قال الفيلسوف الألماني كارل ماركس: انا آكل، إذن أنا موجود، وقال الفيلسوف الفرنسي ديكارت: أنا أفكر، إذن أنا موجود. وقال الشاعر بايرون: أنا أحب، إذن أنا موجود. وقال الأديب كافكا: أنا خائف، إذن أنا موجود. وقال تولستوى: لن أكون حراً، حتى تموت زوجتي!!.

وكل واحد من هؤلاء يريدك أن تعرفه على هذه القاعدة، فهذا هو مفتاح الدهليز إلى أفكاره وأعماقه النفسية.

وفي حياة الواحد منا ألوف الناس، قريبون وبعيدون، يمرون دون أن يتركوا أثراً، كما تمر الرياح على أوراق الشجر، أو على رمال الصحراء، او يتركون أثراً كما تمر السيارات في الوحل، أو كما تنفذ أشعة الشمس الى الغرفة المظلمة، أو كأعواد الحديد الساخن على بشرتك.

وقد يكون أقرب الناس إليك أبعدهم عنك!! ويكون أبعدهم عنك أقربهم إليك!! وقد يكون الشخص متواضعاً ولكنه عميق الأثر.. فأمي أو أمك مثلاً، قد تكون اكثر ثقافة وأوسع إدراكاً.

وقد تقرأ كتاباً قديماً فيهزك، وتقرأ كتاباً حديثاً، كما تقرأ صحيفة يومية لا تهزك. وقد يكون الكاتب الذي تقرأ له جميل العبارة عميق النظرة مسايراً للعصر، يلقي الضوء في كل مكان، ولكنه لا يثيرك!! فقد يكون قد جاء في الزحام، او يكون قد جاء في الوقت غير المناسب.

فعندما كنتُ مشغولاً بالأستاذ عباس العقاد، لم أكن اقرأ لسواه لدرجة أنني لم أعرف أن هناك أدباء آخرين غيره في مصر!! ولما قرأت مقالاً لطه حسين بعد سنوات من متابعتي للعقاد، أدهشني أن هناك أدباء آخرين، ولكن طه حسين جاء في غير أوانه، جاء بعد أن امتلأ عقلي بالعقاد، فلم أجد له مكاناً، ولم أقفل عقلي دونه، إنما أجلسته على بابي عشر سنوات!!!.

وأحزنني أنني لم أعرف طه حسين والحكيم والمازني والرافعي وشوقي وابن المقفع والجاحظ وابن خلدون والحريري وزكي مبارك إلا بعد ذلك بوقت طويل، تماماً كما تتوفر كل الظروف المناسبة لنمو بذرة من البذور، الأرض والماء والهواء والشمس، وسلامة البذرة، ولكنك ألقيتها في غير أوانها.

ويوم قرأت رواية «الحب والدسيسة» للشاعر الألماني شيلر، لم أكن أعرف أن هناك قصصاً وروايات مصرية او عربية.

ويوم عرفت الأديب الإيطالي ألبرتو مورافيا، وقابلته وصادقته وقدمته الى اللغة العربية لم أكن أعرف نجيب محفوظ ولا قرأت له!!.

وعندما حفظت القرآن الكريم كنت في السابعة من عمري؛ وأنا لا أعرف معنى كلمة واحدة مما أقول، وانتقلت من القرآن الكريم الى قصائد المتصوفين والى مدائح الرسول، فحفظت البردة للبوصيري.

ولم اسمع بشوقي أمير الشعراء، ولا عرفت قصيدته «نهج البردة» إلا بعد عشرات السنين، وقرأت مئات الروايات المترجمة في سلسلة «كتاب الجيب» من ترجمة الاستاذ عمرعبدالعزيزأمين، ولم اقرأ رواية عربية واحدة، ولا عرفت ان هناك روايات عربية.

وعرفت تولستوى ودستويفسكي وبروست وشيللي وبيراندللو وديكنز وبلزاك، قبل أن أعرف أسماء الأدباء المصريين وكنت في الثانية عشرة من عمري.

هل كنت أعي ما اقرؤه ؟! لا أعرف، ولكني اقرأ واستمتع، وأطلب المزيد، ويجيء المزيد في صناديق وجوالات، فقد كانت هذه الروايات رخيصة الثمن وتباع بكل مكان في القاهرة.