الرأي - رصد

رغم أهميتها الحاسمة لفهم انتشار المرض وشدته، لم تحظ الفروق في التعبير الجيني بين الجنسين في البشر، أو غيرهم من الثدييات المشيمية، باهتمام جاد في مجتمع البحث العلمي إلا مؤخرا.

استعرضت ميليسا ويلسون الباحثة في مركز التصميم الحيوي (Biodesign Center) لآليات التطور، ومركز التطور والطب، وكلية علوم الحياة بجامعة ولاية أريزونا Arizona State University، أحدث البحوث المنشورة في دورية "ساينس" (Science)، التي درست أنماط الفروق بين الجنسين في التعبير الجيني عبر الجينوم.

بدأ هذا الجهد الضخم بمشروع طموح قبل عقد من الزمن، يعرف باسم "اتحاد تعبيرات الأنسجة الجينية" (GTEx)، وكان يهدف إلى اكتشاف كيفية تأثير تباين الحمض النووي على التعبير الجيني عبر مجموعة من الأنسجة البشرية، وأفردت الدورية الرائدة عددا خاصا صدر بتاريخ 11 سبتمبر/أيلول الجاري لهذا الموضوع.

اكتشف الباحثون أن أكثر من ثلث الجينات تظهر تعبيرا متحيزا للجنس في نسيج واحد على الأقل، وناقشت أحدث الدراسات المنشورة في العدد الخاص اتحاد تعبيرات الأنسجة الجينية، وآثار تنظيم الجينات في الأنسجة البشرية، وتحديد الاختلاف الجيني الوظيفي النادر، ودراسة تنبؤات طول التيلومير، وتنظيم الجينات الخاص بنوع الخلية.

الرجال من المريخ والنساء من الزهرة

شغل الاختلاف بين الأنثى والذكر في الثدييات، وبصفة خاصة الإنسان، العلماء منذ فترة كبيرة، ولكن منذ صدور كتاب "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة" الذي ألفه الطبيب النفسي الأميركي جون غراي وصدر في مايو/أيار 1992، اتخذ هذا الاختلاف البيولوجي أبعادا جديدة.

تناول الكتاب المشاكل التي قد تحدث بين الرجل والمرأة نتيجة الاختلافات النفسية بينهما، ونجح نجاحا كبيرا، وبيعت منه ملايين النسخ. ولكن من ناحية أخري، تركزت الدراسات السابقة على الاختلافات الواضحة بين عقول الرجال والنساء وعلى مناطق المخ التي كان يُعتقَد سابقا أنها تبرز فروقا مبنية على الجنس.

كان علماء الأعصاب ينظرون إلى الهرمونات الخاصة بالجنس باعتبارها مفتاح الاختلاف الجنسي في العقل، ورغم أهميتها، فإن هناك مجموعة من الأدلة المتزايدة التي تشير إلى أن التعبير الجيني يعتمد على تفاعلات بين العوامل الجينية والبيئية والوراثة غير الجينية، والتي تؤثر في بعضها البعض بطرق معقدة.

وتشير النتائج الحديثة أيضا إلى أن التباينات المرتبطة بالجنس في التعبير الجيني أكثر انتشارا بكثير مما كان يُفترض سابقا، حيث يظهر أكثر من ثلث الجينات تعبيرا متحيزا للجنس في نسيج واحد على الأقل.

وتصف البحوث الاختلافات التنظيمية للجينات بين الجنسين، وتسلط الضوء على الفروق الظاهرة بينهما في الصحة والمرض، وتظهر أن الجينات المعبر عنها تفاضليا تؤثر بشدة على مخاطر الإصابة بالعديد من الأمراض ومدى حدوثها وانتشارها وشدتها.

ويبدو أن معظم السمات التي تظهر تباينا بين الذكور والإناث ناتجة عن الاختلافات في التعبير عن الجينات الشائعة، وليس من خلال التعبير عن جينات الكروموسومات أو الهرمونات الجنسية.

قالت ويلسون في بيان صحفي لموقع جامعة أريزونا "من أكثر الأشياء المدهشة في هذه الدراسة الشاملة للاختلافات بين الجنسين أنه في حين أن الفروق الإجمالية تمتد عبر الجينوم وتساهم في التحيزات لصحة الإنسان، فإن كل جين فردي يختلف اختلافا كبيرا بين الناس".

أظهر مشروع "اتحاد تعبيرات الأنسجة الجينية" (GTEx) كيفية تأثير تباين الحمض النووي على التعبير الجيني عبر مجموعة من الأنسجة البشرية (معاهد الصحة الوطنية الأميركية)

بصمات الماضي البعيد

ويري الباحثون أنه من المحتمل أن تكون هذه الصفات قد تطورت، وربما أدى ظهور الثدييات المشيمية منذ حوالي 90 مليون سنة إلى اختلافات في الوظيفة المناعية بين الذكور والإناث، حسب زعم هؤلاء الباحثين.

وقد تركت مثل هذه الفروق القائمة على الجنس بصماتها على الثدييات الحالية، بما في ذلك البشر، وظهرت في معدلات أعلى من اضطرابات المناعة الذاتية لدى الإناث وزيادة معدلات الإصابة بالسرطان لدى الذكور.

وقد حدد الباحثون المئات إلى الآلاف من الجينات المعبر عنها لكل نسيج، والتي تظهر اختلافات بين الجنسين في التعبير الجيني، ويفترضون أن هذا الاختلاف بين الجنسين يظهر في تكوين نوع الخلية -لا سيما الخلايا المرتبطة بالمناعة- وقد يسهم في خلل بالتنظيم النوعي الأساسي لبعض الأمراض.

وتوفر هذه الدراسات خط أساس شاملا للاختلافات بين الجنسين في التعبير الجيني بالأنسجة غير المصابة، وقد تشير أيضا إلى المسارات الأكثر أهمية بالفروق بين الجنسين في مسببات المرض، وتساعد في تطوير العلاجات المستهدفة.

ويمكن أن يؤدي الفهم الأفضل لهذه التباينات المرتبطة بالجنس في سلوك جيناتنا إلى تحسين التشخيص والعلاج لمجموعة واسعة من الأمراض التي تصيب الإنسان.