... حين يخرج أولادي للمدرسة ينتابني القلق, لا ينطفئ حتى يعودوا بحقائبهم وتعبهم وجوعهم...الجو النفسي الذي أشاعه كورونا عند الأهل أثقل من وطأة المرض نفسه, فالانتظار المشوب بالتعب صار مرافقا لنا كل صباح..

زمان كنا نودعهم على صوت فيروز, وعلى المزاح..وتفقد السندويشات, وعلب الشوكلاتة والمصروف, ومرافقتهم إلى الأبواب حتى يأتيهم الباص...الان تودعهم, وتردد في داخلك بيتا للمتنبي: (على قلق كأن الريح تحتي..تسيرني يمينا أو شمالا)..

وفي النهاية تسأل – لاقدر الله – إذا أصيب أحد الأطفال, فمن سيتحمل المسؤولية وزارة الصحة أم وزارة التربية, أم قلبك الذي طاوعك..وتركتهم يذهبون للمدارس... قصة الأصرار على التعليم قصة غريبة جدا في تعاطينا مع أزمة كورونا، أنا أفهم أن فتح القطاعات الاقتصادية والمنشات..بات ضرورة ملحة, ولكن قصة التعليم..والإصرار عليها داخل غرف الصف, أظنها تحتاج لإعادة النظر.

ما من جائحة في العالم استمرت, لكل جائحة نهاية..وهي تشبه الحرب التي تخوض فيها معاركك.. وتنتصر هنا وتهزم هناك, لكن في النهاية لابد من الانتصار في هذه الحرب.. ولهذا فإن إصرار وزارة التربية, على التعليم داخل الغرف الصفية فيه مخاطرة كبيرة.. مخاطرة من زاوية إشاعة القلق لدى مئات الألوف من الأهالي, الذين يودعون أغلى مايملكون في العمر المدارس..ولايعرفون ماذا سينتظرهم, ومخاطرة من زاوية أخطر وهي أن جو المدرسة يعتبر البيئة الأكثر خصوبة لانتشار الفيروس..

صحة أولادي في هذه المرحلة أهم من الكتاب والدفتر والحرف, هل يدرك وزير الصحة ذلك؟ هل يعرف وزير التربية والتعليم.. أن إصابة طفل واحد، ستدخل العائلة كلها في مأزق.. فلا الأم ستتركه إن أدخل المستشفى.. ولا الأب سيمضي حياته وعمله كما يجب.

الضرورات تبيح المحظورات، وبدائل التعليم كثيرة.. التلفاز, الأنترنت, التعليم الذاتي في المنزل... يوجد ألف بديل للغرفة الصفية, ولكن تبجحنا الغريب بضرورة سير العملية التعليمية.. وضرورة المحافظة على نسق الحياة العام.. ربما سيكلفنا الكثير في الأيام القادمة.

أحيانا... وفي خطابنا الرسمي نركز, على الحياة العامة, وننسى عواطف الأمهات والاباء..كل يوم في الأردن, تعيش العائلة في قلق..وترقب وخوف, صارت بعض الأمهات في عمان وظائفهن ترتكز على قياس درجات الحرارة للأولاد كل ساعتين, بدلا من التدريس.. وصارت وظائفنا أيضا, أخذ وعود من الطفل الأصغر بعدم خلع الكمامة, وصرنا بدلا من المزاح.. والقبلات, نحذرهم من الحديث مع الأصدقاء والاقتراب لمسافات قصيرة منهم.. كأنهم سيغادرون للجبهة.

معالي وزير التربية...

أولادي كل صباح وحين أودعهم أحس أنهم ذاهبون لجبهة.. لا أريد ذلك فبدائل الصف كثيرة.. ويكفينا ما فينا من قلق وخوف.

Abdelhadi18@yahoo.com