سليم النجار

تشي رواية «صَيف معَ العدوّ» للكاتبة شهلا العجيلي، والصادرة عن منشورات ضفاف/ منشورات الاختلاف، منذ البداية، أن التجربة الحياتية والتدريب والمحاولات التي يدفعها رغبة خالصة للطيران والسمو للكمال هي محور هدفها الأول، وحتى عندما إلى السماوات العلى تسعى إلى التساؤل والتعلم والخوف، ولكن بطرق مختلفة واساليب مختلفة، (انطلقنا بقوّة في البحر وكان رذاذ الماء يتطاير على وجهي وساقيّ العاريتين فأنتعش؛ ثمّ حلّقنا؛ علونا شيئاً فشيئاَ وصار البحر والمدينة تحتنا ص٢٩٤).

تَسرد شهلا من خلال روايتها وعلى لسان شخصياتها، ان الذاكرة الجمعية مُهمة في أي مجتمع، وتصبح أكثر أهمية في مجتمعات مرّت بتجارب صعبة وديكتاتورية وحروب وخراب، وليم فوكنر قال ذات مرة «الماضي لا يموت أبدا». الماضي يتعايش مع الحاضر ويحترب معه دائما، (امسكت بعقد اللؤللؤ الذي في رقبتي أتوكّأ عليه ؛ ومضيت نحو عدوّي القديم بساقي أمّي المقطوعتين ص٣٣٣).

رواية «صَيف معَ العدوّ» للروائية شهلا العجيلي ليست توثيقاً لما حدث في سوريا والرقة كانت مرآة لذلك، وان كانت الرواية تحفظ الذاكرة، لمن هناك اشباح واطياف تعاود الكاتبة وحكايات تؤرقها ورغبة الكتابة تدفعها نحو محاولة اقتناص ما يمكن اقتناصه. ليس حنينا ولا استعادة لأي مجد لم يكن اساسا، وانما هو استعادة اصوات وصور وأماكن اندثرت أو همشت، (بعدما انتقل عبّود إلى المدرسة الثانويّة خارج الحيّ، وكان أبوه يوصله بسيّارته البيجو البيضاء، وبعد أشهر انفضّ جميع جيلنا، إذ كبرنا عاماً، وفازت أجساد معظمنا، وصرنا شباباً وصبايا، ?عد أن كنّا قبل قليل أطفالأً! ص٤١).

بهذه الروح تبدو كتابة الرواية عند شهلا العجيلي استجابة دائمة لهذه الرغبة، وتحمل هذا الهم على كتفيها بمنتهى القلق والتضافر والتمكن، والجرح السوري يُضمّد باختياره للحكي من خلال الأحداث التي مرّت بسوريا، وما تراه من خلال الشخصيات الروائية التي صاغتها شهلا كشاهد للحكاية من موت ودمار، وجثث عبثت بها الحرب، واعملت فيها صنوف التنكيل والتمثيل المختلفة، ولاتتوقف عن فعل هذا بوعي شديد وبلغة إنسانية، تتفلت منها اللغة الشعرية تحديدا حين تعود إلى المحكيّة السورية داخل الرقة، مكتوبة بدقة وحرص لا يخفيان على المتلقي، (حين ق?مت الثورة كان ثلاثة من أولاد (ابوليلى) ناشطين فيها، فاعتلقوا في المظاهرات التي دعت إلى اسقاط النظام في دمشق، حيث استقرّ به المطاف مدرّباً خاصّاً للضبّاط في نادي للجيش. قاطعه أولاده إذ اتهموه بالعبوديّة للسطلة، واتهمهم هو بالتخريب والخيانة، ص١٣٩).

لكن يبدو وراء طريقتها في كتابتها شغف وولع بالتوثيق، ومعَاني الالفاظ للتأريخ الإجتماعي، كما تنهمر من راوية شهلا الرغبة في تسجيل سوريا حيا وحاضرا.

تستبعد شهلا العجيلي في روايتها «صَيف معَ العدوّ» النظريات الزائفة «كالمؤامرة» بواسطة نقدٍ لا عنفي. لم يعد التطور الثقافي اللاعنفي مجرد حلم يوتوبي، بل اصبح نتيجة ممكنة لبزوغ العقل من خلال رصد هذا التأريخ القاسي، على ان لا نقدمه قرابين لآلهة العالم السفلي، بل إلى حيوات البشَر، لتعود من تحت الأرض إلى أعلاها، في صورة عنقاء عظيمة تزهو بتفجُّرها بالحياة وبخلودها، (عدنا مملوءين بالغرابة! ونمت باكراً من التعب، وظلّ صوت نيكولاس في أذنيّ وهو يتلو قصيدة أمّه كأنها نداء مقدّس قادم من كوكب مجهول، أو من تراتيل بشر تحتنا? رقدوا منذ آلالف السنين في هذه المدافن البائدة:

يا سلطان الأفلاك !

انا التي تركت حبيبي على الطريق. ص١١٢) ٠

الرواية ليست أمثولة عن المثالية أو الدعوة لها؛ بقدر ما تعلى من قيمة التجارب الروحية التي يختبرها الانسان بنفسه وتؤدي لتشكيل معتقداته الخاصة به، (تحت شجيرات الصفصاف الشابّة وجدت ماما ملقاة ميتة، مقطوعة الساقين، ساق من عند الركبة، وساق من اعلاها. عجزت عن تحديد اليمين من اليسار، ولم امعن في رسم الصورة في عقلي. ص ٢١٨–٢١٩).

من الخصائص الأسياسية لرواية شهلا العجيلي لهذا الشكل من السرد الذي تتوسطه اللغة/ الثقافة انها تراكم الأحداث خارج الموقف من هذه الأحداث، واننا نحن في امس الحاجة لهذا الخلق إلى صحبة هذا العقل والائتناس به لأنه اقدر من يغرسٍ فينا شيئا غائباً هو التساؤل: (قلت ل غونتر: لعلّك تقصد أن نغيّر زاوية الرؤية؛ فالاستثناء فينا؛ وليس في الأشياء الموضوعية ص٢٥٥).

الثقافة إذن يمكن ان تنتشر بمعزلٍ عن مورثاتنا واستجابة لقرارات واعية. ولغة متعددة الخيال ولم يذهب بعيدا الشاعر االهولندي ديريك والكوت الحائز على جائزة نوبل عام ١٩٩٢ والمولود في جزيرة تريندا «وهي إحدي جزر الهند الغربية» التي تستخدم فيها عدة لغات، ففي احد قصائده قال: (لست سوى زنجيّ احمر يحب البحر؛

درست دراسة استعمارية راقية؛ اجمع في شخصيتي بين الهولندي والزنجي والأنجليزي).

وتتبلور طريقة شهلا العجيلي بهذا التعدد الثقافي اللغوي القهري؛ إذ تتعامل مع تاريخ القهر والعبودية في إعلاء لغة الحرية، إن اللغة لا يملكها إلا الخيال، هكذا هي رواية العجيلي «صيفَ معَ العدوّ».