أ.د. جودت أحمد المساعيد كبير خبراء المناهج وطرق التدريس

تُعد المجموعات الثرثارة Buzz Groups من بين المجموعات التي يتم تنظيمها لتحقيق تعلمٍ نشطٍ وهادفٍ بين الطلبة. وقد قام تود Todd بتعريفها على أنها عبارة عن مجموعة صغيرة من الأشخاص يتم تشكيلها نتيجة دوافع مؤقتة، بقصد الإجابة عن سؤالٍ أو مجموعةٍ من الأسئلة المحددة، والتي غالباً ما تتألف ما بين (5 – 6) أفراد، حيث يتم طرح السؤال أو الأسئلة على هذه المجموعة، مع توضيح الأعمال أو المهام أو الإجراءات المترتبة عليها، خطوة بخطوة.

ويحتاج تطبيق استراتيجية المجموعات الثرثارة في التدريس إلى مراعاة مجموعة من المبادئ تتمثل في ضرورة قيام المعلم بالتخطيط لزمن الحصة، بحيث يتيح المجال لإزاحة الكراسي وشرح التقنية والاستماع للطلبة حول التقارير التي قاموا بإعدادها أو القرارات التي توصلوا إليها. كما ينبغي عليه أن يوضح للطلبة أدوار كلٍ من قائد المجموعة والمسجل أمام المجموعة بأكملها، حتى يتسنى لكل فردٍ منها أن يعرف كيف يتفاعل مع القائد والمسجل بمجموعته في وقتٍ واحد، وأن يخصص وقتاً محدداً للنقاش، فالأصل أن يفكر المعلم بأن المجموعة ستكون قادرة على أن تقدم أكثر مما هو متوقع منها، في وقتٍ معينٍ وبفاعليةٍ كبيرةٍ. ففي حال كانت المجموعة المؤلفة من خمسة أفراد تمتلك خمس عشرة دقيقة للتعامل مع الأسئلة المطروحة، فهذا يعني أن كل شخص يمتلك ثلاث دقائق فقط كي يتكلم فيها. كما يجب على المعلم التنقل بين المجموعات بطريقةٍ سلسة، حتى يُحفز الطلبة على المشاركة بشكلٍ أفضل، ويسهم في التغلب على العقبات التي تواجههم، وينشر جو الحماسة والحيوية بينهم، وأن يجمع الملاحظات من التقارير المختلفة، مع تحضير ورقةٍ يدون عليها النتائج الإجمالية التي توصل إليها الطلبة، وأن يضيف تعليقاته الخاصة في النهاية، بحيث تكون بمثابة المرجع الذي يستخدمه بعد انتهاء الحصة.

ولاستراتيجية المجموعات الثرثارة فوائد عديدة يتمثل أهمها في أنه يمكن للطلبة من خلالها التعبير عن الصعوبات والمشكلات التي يرغبون في عدم انكشافها لجميع الطلبة داخل الحجرة الدراسية، ثم إعطاء تغذيةٍ راجعةٍ فوريةٍ من جانب المعلم بعد كل إنجاز يعمل الطلبة على إتمامه. وفي هذه الحالة، فإن الأسئلة المطروحة للمناقشة ليس لها وقت محدد، كما أنها تثير الضجيج في بيئة الغرفة الصفية، إلا أنها مفيدة في التخلص من سوء الفهم خلال عملية إعطاء الدرس. ولهذا السبب سُميت بالمجموعات الثرثارة، والتي يمكن استخدامها في أي موقفٍ تعليمي تعلمي لفترة قصيرة أو طويلة حسب الرغبة تارةً أو حسب المطلوب تارةً أخرى

ويبدأ استخدام هذا النمط التدريسي الذي يشجع الطلبة على التعلم النشط والهادف، باقتراح نشاطٍ معينٍ على الطلبة، ثم تقسيمهم داخل الحجرة الدراسية، إلى عدد من المجموعات الصغيرة التي يكون من السهل تشكيلها أو تنظيمها حول عدد من الطاولات المستديرة، حتى لو كان ذلك في قاعة محاضرات كبيرة. ومع ذلك، فإن شكل المجموعة يرتبط ارتباطاً وثيقا بنوع النشاط المطلوب، بحيث يمكن أن يأخذ في الحسبان قدرات الطلبة العقلية والمعرفية، مما يجعل من غير المناسب أن يتم طرح البيانات أو المشكلات أو القضايا أو الموضوعات الأعلى بكثير من مستوى فهمهم، بل ضرورة طرح نشاطٍ محددٍ يتعاملون فيه مع أمورٍ يتوقع منهم سهولة إدراكها، لا سيما إذا عمل الطلبة على تقدير استخدام استراتيجية المجموعات الثرثارة، وحصلوا على تعليماتٍ واضحةٍ لما ينبغي عليهم القيام به، والفترة هذه ليست شفوية فحسب، بل موضحة لهم بشكلٍ كتابي على جهاز العرض التقديمي للبيانات.

أما عن تنظيم المجموعة، فغالباً ما يجلس الطالب بجانب من يعرف جيداً ويميل إليه من زملائه، بحيث لا تبدو هناك أية مشكلة للحديث فيما بينهم. ومع ذلك، فقد يصبح هذا صعباً في بداية العام الدراسي، حيث يتم تعديل الصفوف الدراسية بالزيادة أو النقصان، والانتقال من مدرسةٍ إلى أخرى، وتسجيل طلبةٍ جدد، مما يستدعي إتاحة بعض الوقت حتى يتعرف الطلبة على بعضهم جيداً. ويمكن حتى في هذه الحالة، أن يطلب المعلم أداء واجبٍ بسيطٍ، يتمثل في أن يقدم كل طالبٍ نفسه إلى زملائه في الصف، من حيث المنطقة التي يعيش فيها، والأشياء أو الأمور التي يحبها أو يميل إليها، والمأكولات والمشروبات التي يفضلها، والهوايات التي يمارسها وقت فراغه.

وفي حال وجود حجرةٍ دراسيةٍ كبيرةٍ ومجموعاتٍ صغيرةٍ متعددةٍ، فليس هنالك من الوقت الكافي الذي يستطيع فيه الجميع المشاركة. وهنا، فإن على المعلم الذي لا يريد أن يضيع فرصة التعلم النشط على التلاميذ، أن يطلب من اثنين أو ثلاثة منهم أن يتطوعوا بطرح الأفكار التي توصلوا إليها في مجموعاتهم الصغيرة، وأن يسأل بقية المجموعة إن كان لديها ما تضيفه إلى ما قيل، مع حرص المعلم على عدم التعليق أو التعقيب المباشر على كل فكرة أو نقطة يتم طرحها، ما عدا الإشارات باليد أو الإيماءات بالرأس والعينين، بأن هذه نقطة مهمة أو أنها فكرة رائعة، أو أنها غير ذلك. أما التعقيب الحقيقي فيكون عند بداية محاضرة جديدة، حيث يكون هناك مجال للتذكير بما دار من مناقشات أو حوارات أو تبادل أفكار، وذلك لإتاحة الفرصة للطلبة لعمل نشاطٍ إضافي يقومون به، حتى يتعلموا شيئاً جديداً. ولا يغيب عن ذهن المعلم، أن يحدد وقت المناقشة المطلوبة، وأن يبلغهم عن الالتزامات أو المهام الواجب إنجازها عند الانتهاء من هذه المناقشة، حتى يتعودوا على إتمام الخطوة في وقتها، وعلى رفع وتيرة المناقشة، بحيث تكون فاعلة في تحقيق الأهداف المرسومة لها.

أما بالنسبة للدور الذي يقوم به المعلم في تشكيل المجموعات الثرثارة، فهو دور الموجه لا دور الملقن، وعليه أن يتخذ القرار بتحديد الأهداف التدريسية المنشودة، وتشكيل المجموعات التعلمية الضرورية. كما أن عليه أيضاً أن يشرح المفاهيم والاستراتيجيات الأساسية، ومن ثم تفقد عمل المجموعات التعلمية واكتساب الطلبة لمهارات العمل في المجموعات الصغيرة، ثم عليه في نهاية المطاف تقييم تعلم طلاب المجموعات، باستخدام أسلوب تقييمٍ محكي المرجع.

والتدريس باستخدام المجموعات الثرثارة، كغيره من أنواع المناقشات الأخرى، يستغل المبدأ التدريسي المعروف بالتفاعل استغلالاً واضحاً، إذ يواجه الطلبة الموضوع المطروح مباشرةً بالدرجة الأولى، بدلاً من أن يتلقوه مستسلمين لما سيقوله المعلم، لا سيما وأن ذلك المعلم هو القادر على إجابة أي سؤال يُطرح عليه خلال المحاضرة. ومع ذلك، فإن الإجابات ستكون ذات معنىً أكبر في الوضع الذي يكون فيه الطلبة قادرين على استخراجها بأنفسهم من النص. وربما لا يشارك بعض الطلبة أبداً في أية مناقشة في حال كان الصف بأكمله يستمع إلى مشاركتهم، إلا أنه في المجموعات الثرثارة الصغيرة، يقل هذا التهديد، ويشعر الطلبة بأن التعبير عن أنفسهم وطرح وجهات نظرهم، يصبح أكثر سهولة.

وهناك عامل آخر مهم في هذه الاستراتيجية وهو التكيف، إذ يعد الموضوع المطروح فكرةً مرنةً، فالمجموعات الثرثارة قادرة على التعامل مع المواضيع المطروحة، والإجابة عن الأسئلة الجدلية التي قد يطرحها أحد الحاضرين، وتطبيق بعض الأفكار التي قد يطرحها أحد أفراد المجموعة وغيرها من أنواع التعلم المختلفة. وفي بعض الأحيان تتحسن صفات الصبر والتسامح عندما يضطر أفراد المجموعة إلى الاستماع للرأي الآخر حول الموضوع المطروح. ويجب في الوقت ذاته عدم نسيان عامل تطوير مهارة القيادة. فعلى الرغم من أن أدوار قائد المجموعة والمسجل والمسؤول عن التقارير، ربما لا تبدو مهمة في حينها، إلا أن التعرض للمشاركة بالمسؤولية من أجل زيادة فاعلية الصف، يمثل أحد المكونات الأساسية لعملية تدريب الطلاب ليكونوا هم القادة.

profjawdat@yahoo.com