يعتقد رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري أن واحدة من المفارقات الكشّافة، هي اننا انتظرنا أطول من اللازم لنكتشف مطارح ضعفنا البنيوي وأوجاعنا الكثيرة.. إلى ان اجتاحتنا الجائحة ووضعتنا في مواجهة الحقائق الصعبة التي كانت تّخفيها الدولة الريعية.. ونتواطأ معها في ذلك.

فقد كشفت الكورونا كم هو اقتصادنا هش، وكم هي عاداتنا الاجتماعية مسممة بما طرأ عليها في السنوات الماضية من استعراض مكلف، وكم ان ثروة وطنية هائلة كالزراعة منسيّة، وكم أن مشاكل الشباب تتجاوزمعضلة البطالة وكيف ان الوظيفة أضحت مظنّة.

كما كشفت الكورونا ان دورة الحياة اليومية للمواطن الأردني محكومة للركض السريع الذي يقطع الانفاس ولا يترك مجالا كافيا للانسانيات التي أجبره الحجر المنزلي أن يعيد اكتشافها.

طاهر المصري ربما كان رجل الدولة الوحيد الذي يقبل أن يتحدث عن الكورونا بهذه الاحاطة والاطالة فهو يرى الجائحة من زاوية التحدي القسري الذي أجبر الجميع، دولة ومؤسسات ومواطنين،على اعادة برمجة الذات، بعد أن رهّلتها البيروقراطية وجعلتها تّعاند التغيير والاصلاح.

شكرا للكورونا إذ جعلت طاهر المصري يتحدث بعيدا عن السياسة بالذي يوجع، وهو كثير.

اليوم ونحن نستعيد ما تعرضنا له في الأردن خلال الأشهر الماضية، فإننا نلحظ خلطة غير مسبوقة من التحديات: بدأت مع المخاطر الكيانية للضم الاسرائيلي المتوسع في الضفة، لتشتبك بعد ذلك مع جائحة الكورونا التي نأمل ان لا تكون قد خلخللت البنية الاقتصادية الهشة. ثم جاءت سيرة الفساد بما صاحبها من جدل صاخب ما زال يتحرك داخل وخارج القانون:

صحيح.. تعرضنا لكل ذلك. بعضه فُرض علينا وجاء في سياق سياسي مستمر، وبعضها كان لا بد من التعامل معه بأسلوب أو بآخر.

فموضوع الكورونا ليست خطأ أو مسؤولية أحد، وقد تعاملنا مع الحالة المستجدة بطريقة صحيحة وصارمة، رغم انه ليس عندنا خبرات في مثل هذه الأمور.

يجب أن يستمر التصرف الصارم ففكرة حماية الإنسان من الوباء أقوى من الحفاظ على أجزاء من الاقتصاد، ورغم صعوباتها لكنها سياسة صحيحة وارجو الله ان نعبر من هذه الأزمة التي عادت بالانتشار بشكل مقلق.

أما بالنسبة للأمور الداخلية ومنها محاربة الفساد، فلا بد أن تتم بشكل مؤسسي بناءً على معطيات وان يشمل الجميع، وأن تكون جميع مؤسسات الدولة خاضعة للمساءلة والمراقبة.

ما اريد قوله انه ما زالت أمامنا أمور كثيرة، ترتبت قبل جائحة الكورونا. هناك حاجة لإصلاح اقتصادي، فلا يجوز أن تبقى هذه النسبة العالية من شعبنا فقيرة وجائعة وبحاجة إلى معونات مستمرة. عندما نرى كم هو حجم التكافل الاجتماعي في البلد نرى أن عشرات الآلاف من العائلات تحتاج إلى معونات. لدينا من مؤسسات الغوث المعونة الوطنية، مؤسسات الزكاة، والجمعيات الخيرية والمحسنيين. فنحن مثلا في تكية أم علي نساعد 30 ألف عائلة شهرياً. الفقر عندنا واسع ويتسع، لذلك يجب أن نقف ونرى لماذا تزداد الأمور سوءاً.

وضع الكورونا الذي اجتاح العالم ومنها الأردن يعيد التذكير بالانتقادات التي طالت القيادات والوجوه والنخب العامة في عزوفها عن المشاركة. وهي مسألة تفاوتت فيها تقييمات الدقة والأسباب:

في مثل هذه الحالة لا يجوز أن يتدخل الجميع. لدينا أوضاع جائحة وخطر طبي، و جهات مختصة. الأولوية تأتي لمحاربة هذا الوباء، وليس بامكان أي شخص التعامل معه، الوضع يحتاج إلى متخصصين ومستشفيات وأجهزة طبية، والحجر منع الجميع من التحرك.

أما إذا اردنا التحدث عن الأدوار فيجب أن نتحدث عن استغلال هذه الفرصة وتكون النخب جاهزة للتغيير بأن تشجع الأجيال الشابة بأخذ دورها كما سبق وقلت. هناك من يتحجج وهم أشخاص لهم غرض معين في كل مناسبة يكرروا مقولتهم: «أين أنتم يا مسؤولين سابقين»،؟ اقول لهم ان لكل شخص دوره ومرحلته.

ثقافة العنف والترهيب والارهاب التي طرأت على المنطقة خلال العقد الماضي، ماذا ستفعل بها الجائحة؟ وكيف تقرأون خطوطها البيانية في المستقبل المنظور؟

لا أستطيع التفكير باتجاه ان الجائحة ستغير كل شيء في حياة الإنسان. هي تؤثر على جوانب كثيرة، لكن ليست انقلاباً أو ثورة على المجتمع وثقافته.

هي فقط تذكرنا بأن الدنيا تغيرت، وأن التغيير الذي كان تدريجياً لحد ما، أصبح الآن أكثر من تدريجي، وأضحى سريعا. يجب أن ننتبه لهذا الأمر وأن يفهم حكامنا مدى أهمية مراعاة التغييرات والتكيف حولها.

الأمر يشبه ما حصل في موضوع الخصخصة أو موضوع العولمة. العولمة هاجمت العالم كله في مسارات أو في أمور اقتصادية واضحة، وفرضت طريقة تعامل المجتمعات معها. لكنها تمت في وجود قوة دولية واحدة. العالم كان يقف على قدم واحدة، وهي القدم الأميركية، لم يكن هناك توازن في العلاقات الدولية. ولذلك اكتسحت الفكرة الأميركية حول العولمة، العالم. أخذناها مثل الكثير من دول العالم فآذتنا بشكل كبير ولم تساعدنا خصوصاً في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. بلدان أخرى مثل الصين واليابان وغيرهما أخذوا ما يناسبهم ورفضوا ما لا يناسبهم.

أقول ذلك لأن آثار الكورونا والدروس المستقاة منها يجب أن تُدرس بكافة جوانبها حتى نستفيد مما حصل. التجربة التي مررنا بها في الأيام الأولى من انتشار الفايروس كانت جيدة جداً كما قلت سابقا فتقيد الناس. وجود الجيش والقوات المسلحة والأمن كان له دور في فرض هيبة الدولة على المواطن حتى يتقيد بالتعليمات.

حفيدتي حُجزت في البحر الميت لدى قدومها من أميركا، وطريقة استلامهم للطائرة وبقائها في الحظر 17 يوما، والأسلوب الذي تعاملوا به كان في غاية الحضارة. هذا أيضاً ساعد، وقد كتبت مقالا بعنوان «شعب وجيش» عن هذه المناسبة.

استنتاجي الاجتماعي السياسي بعد هذه الجائحة هو أن المواطن الأردني مواطن صالح ويتقبل بكل روح الاحترام والانضباط ما يطلب منه إذا كان مقتنعاً بصحة هذا الإجراء وبتنفيذه على الجميع بالحزم ومتابعة الارشادات والتقيد التام بها حيث ان الأمور أصبحت أكثر صعوبة بانتشار الفايروس على مستوى أوسع، ومواطننا والوطن يستحق الأفضل.

هذا الارتباك واللايقين وعمليات التجريب في التعليم المدرسي والجامعي الذي نشهده الآن، يتراوح بين التعليم عن بّعد وبين احساس البعض بالعبثية.. كيف تقرأون ملامحه القادمة على التعليم والتأهيل التنافسي للجيل القادم؟

للأسف أقول انني لا أتفق مع استبدال التعليم العادي الذي نمارسه في المدارس والجامعات بالتعليم عن بعد. فهذا ليس تعليماً.

التعليم هو أن يعيش الشخص في مجتمع يتفاعل فيه الطالب مع استاذه ومع سائق الباص الذي يوصله للمدرسة ويتبادل الآراء ووجهات النظر. هذا هو موضوع الحرم الجامعي أو حرم المدرسة وهو أساسي في تكوين شخصية الطفل أو الشاب، أما أن يكون عن بُعد فهذا ليس تعليماً، إلا في الحالات الاستثنائية والطارئة أو في حالات «البزنس»، إذا كان لديّ شركة أتعامل معها عن بعد، لكن لا تكون نمط حياة على مدار الساعة. هذا سيغير من مفاهيم التعليم ومفاهيم الإنسان الذي سيصبح غير اجتماعي.

هذا التباعد وهذه التكنولوجيا هما الخطر على الجنس البشري.

كيف ترون استحاق الانتخابات البرلمانية في ظل لأوضاع الحالية؟ هي خلطة جديدة من الاعتبارات غير المسبوقة وتستحق التوسع في قراءة مضامينها وظلالها:

نحن الآن أمام امتحان كبير في هذه الانتخابات النيابية، التي تأتي في ظل تجربة سابقة كانت فيها مجالس النواب خلال السنوات الماضية غير مدعومة من الشعب، غير ممثلة له. جزء منهم كان يتلهي بمصالحه الخاصة. عناوين الدفع وشراء الذمم والأصوات كانت معروفة وواضحة. هذا الأمر يجب أن لا يتكرر، ولا بد من الاعتراف بأن السلطة التشريعية بحاجة إلى إجراء جذري، وهذا يعتمد على صندوق الاقتراع وعلى الإجراءات الحكومية، وعلى المواطن أن يعتمد انتخاب من يقتنع به ليمثله.

وسنواجه في قادم الأيام بعد الانتخابات النيابية استحقاق تعيين مجلس أعيان جديد وحكومة جديدة، وهي استحقاقات دستورية.

هناك عصر جديد من النزاهة والعمل وقد يكون العكس. الأشهر أو الأسابيع القادمة ستكونة حاسمة في هذا التوجه، إما أن نقول بأن الدولة بدأت تتعامل مع الأمور بشكل جدي وعميق، أو نقول أنه لا توجد فائدة.

هل أصبحت الوظيفة العامة تهمة، ومشروع فساد؟

الوظيفة العامة ليست تهمة ولكنها أصبحت صعبة وفيها مجازفة، بسبب تراكم الشكاوي واتساع هوة الثقة وقصص كثيرة. أصبح لدى المواطن الأردني قناعة بأن كل مسؤول إما فاسد أو مهمل أو جاء بالواسطة أو بالتوريث. ولذلك نعم هناك مجازفة كثيرة، لذلك سيستنكف كثير من الناس عن الموقع العام الكبير.. مع أن الذين سيشاركوا موجودين لكن النوعية والاهتمام اختلفا عن السابق.

هل يمكنك المصارحة بكيفية تغير أولوياتك خلال السنوات الماضية؟

أولوياتي لست أنا من يصنعها، أولوياتي تعتمد على الأحداث والأمور التي تتم في المنطقة وفي البلد مع عائلتي ومع مواطنينا.

فمثلاً موضوع الكورونا اصبحت لوحدها أولوية، لكن لها إدارة حكومية. فأولويتي أصبحت مراقبة هذا الأمر والحكم عليها، لأنه أمر يعيش بيننا واضحى خطيرا، لكن بعد أن نجحنا فيها أصبحت أولويتي كيف نتعامل مع نتائج هذه الكورونا الاقتصادية والمعيشية.

بقيتُ عاما كاملا أتحدث عن قانون يهودية الدولة وخطر إسرائيل وما الذي تنويه للمنطقة. الآن الأولوية انتقلت بالنسبة لي بعد أن أصبح واضحاً ما فعلته إسرائيل، انتقلت الأولوية لأن أُحذر مما ينتظر الأردن من أخطار نتيجة الضم ونتيجة سياسة نتنياهو ونتيجة استكمال المشروع الصهيوني في فلسطين وغير فلسطين.. أولوياتي متجددة حسب الحدث.

ما الجديد الذي قدمتموه في كتابكم الأخير قيد الطبع؟ ما الذي اردتم ان تقولوه في الكتاب؟

حتماً هناك جديد وامور كثيرة في الكتاب لا يعرفها الجمهور، إدارة الحكم ليست جميعها معروفة للجمهور.. لكن هكذا تجري أو تنفذ السياسة.

في الإطار العريض معروف أننا كنا في فترة ما نسعى، وكان هم الملك الحسين وهمنا عقد مؤتمر دولي لمحادثات السلام والانسحاب الإسرائيلي. هذه شهدت نقاشا ومحاولات تفسير و تغيير. حياتنا الدبلوماسية كانت تقريباً منصبة على هذا الأمر.

هناك جديد كما قلت لا يعرفها الجمهور، أعتقد بأن مذكراتي ستؤرخ لفترة وحقبة زمنية دقيقة جداً، و أزعم أنني سأكون موضوعياً ودقيقاً في تعبيراتي وفي تقييمي لما تم إجراؤه وما حدث مع الأردن في كثير من المناسبات.