عمان- شروق العصفور

يقرأ الفنان والناقد التشكيلي الزميل حسين نشوان عبر صفحات كتابه الجديد «الارتحال وراء الضوء.. مهنا الدرة»، الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بدعم من وزارة الثقافة؛ تجربة الدرّة الذي يعدّ أحد مؤسسي الحركة التشكيلية الأردنية وروادها.

ويقدم نشوان عبر دفتي كتابه قراءات في تجربة الدرة الحياتية، ويدرس المرجعيات التي أثّرت في التجربة، والمراحل التي تجلّت في نصوصه البصرية، وطرائق معالجاته وتقنياته للشكل والموضوع وفق لغة فنية تعبر عن أسلوبه.

ويناقش المؤلف عددا من القضايا التي تتصل بغياب الجماعات الفنية وعدم وجود مدرسة فنية يقترحها الدّرّة بموازاة مقترحه الجمالي. دارسا مراحل اشتغاله على اللوحة وتحولاتها بين الموضوع والمحتوى والشكل، وتأثّراتها بالأحداث والأساليب التلوينية والحداثية، ويتوقف عند أفكاره والمرجعيات التي أغنت تجربته من خلال الفلسفة والرحلات والعمل والتدريس.

ويتحدّث نشوان في مقدمة الكتاب عن لقائه الأول مع الدرة فيقول: «أول مرّة تعرفت الى الفنّان مهنا الدّرّة عن قرب كانت العام 2002، حينما تزاملْنا في الهيئة الإدارية لرابطة الفنّانين التشكيليين الأردنيّين، وعرفتُهُ شخصيّا وإداريّا؛ فهو يمتاز بالهدوء؛ لكنّه متمرد ومشاكس، وصريح للغاية، يتحدث بهدوء، وبساطة لا تغلّفها البلاغة والتّزيينات البديعية أو الفذلكة، وغالبًا ما يتحدث باستغراب أو دهشة عن الأشياء».

ويصف نشوان الدرة عندما كان رئيسا لرابطة الفنانين التشكيليين، موضحاً: «أدار الرابطة في منتهى الديمقراطية؛ كان يسمع، ويسمع كثيرا، ويتيح للجميع التّحدُّثَ، وغالبا ما يبدأ كلامه باللازمة (لا أدري)، وهي لا تعني تمامًا عدم المعرفة، بل تندي عن عادة تشير إلى أنه لا يريد أن يفرض رأيه كسلطة، وأنّ رأيه معادلٌ لرأي الآخرين، فهو إيجابي تجاهَ الأفكار الجديدة، يتحمّس كثيرا، وهو أكثر من ذلك حالم، يتحدث بالأمنيات والحزن، عن الوطن العربي والثقافة العربية والتصحر الفنّي».

ويذكر المؤلف أن الدرة صاحب آراء فلسفية/ معرفية إزاءَ الحياة والوجود، تنأى عن السائد والمألوف؛ يَعدُّها جزءا من المعرفة الثقافية العلمية، وأن الدرة كان يرى أنّ جزءا من التخلف الذي تعيشه البلدان العربيّة يتمثّل في انتقاصها قيمة الثّقافة والفنّ والجمال، وأنه كان يمقت استخدام الفن إعلانيا؛ إذ يرى أن معظم الأعمال ذات الأغراض السياسيّة، تداعب عواطف متلقّي العمل وتنسى القيم الفنيّة للعمل نفسه.

ويؤكد نشوان أن الدّرّة شكّل حالة مميزة في المشهد التشكيلي الأردني والعربي، وكان أحد الرواد الأوائل لدراسة الفن في إيطاليا في الخمسينيات من القرن الماضي، وتعددت تجاربه بين الكلاسيكية الأكاديمية والمختبرية التجريبية الحَداثيّة التي انتقل فيها من التشخيص ورسم الوجوه إلى التجريدية.

وعن تجربة الدرة مع فن التشكيل يقول المؤلف: «تتوقف تلك التجربة عند حدود التلوينية والتجاورات في الكتلة وتباينات الفراغ، وامتدّت إلى النص المفتوح الذي يتشرع على الأفق في تمثلاته الكونية، التي ترى الكلّ مكوّنا للجزء، والجزء متضمنا في الكل منطلقا من فلسفة وحدة الوجود، مُعتبرا الفنَّ مُعادِلا للحياة، بل يرى في فكرة الجمال نظيرا للخير والحرية. وفي موازاة التجربة الفنية، اتكأ على فلسفة نقدية تقوم على استقلالية الصورة البصرية عن السرد الأدبي مميّزا بين النقد الأدبي والنقد الفني، حيث تقوم قراءة اللوحة على أبجدية صورية/ حسية بصرية وليست سمعية».

يذكر أن الدرّة من مواليد عمان، درس أساسيات الرسم بالألوان المائية مبكرا على يد الفنان الروسي جورج علييف، أُرسل بمنحة إلى أكاديمية الفنون الجميلة في روما ليصبح أول أردني يتلقّى تعليماً أكاديمياً بالفن في عام 1954، ودرس هناك كلاسيكيات الفن من خلال المتاحف والكنائس.

عاد الدرة إلى عمان بعد تخرّجه، وعمل في تدريس تاريخ الفن بكلية تدريب المعلمين عام 1964، وأسس قسم الفنون الجميلة في دائرة الثقافة والفنون، كما أسّس معهد الفنون الجميلة في عام 1970، ودرّس في كلية الفنون والتصميم بالجامعة الأردنية، وهو أول أردني يؤسس (استديو) فنيا لتعليم الطلبة، كما عمل الدرة في السلك الدبلوماسي الأردني في إيطاليا وتونس ومصر وروسيا، وكان سفير جامعة الدول العربية لدى موسكو، وأصدر البريد الأردني عام 2001، طابعا بريديا تكريماً له يعرض أحد لوحاته.

تولى الدرة رئاسة رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين (2002)، وأطلقت وزارة الثقافة اسمه على إحدى صالات الفنون في عام 2006، حصل على عدد من الأوسمة والتكريمات، منها: وسام فارس وسام القديس سلفستر المقدس من البابا بولس السادس، وسام الكوكب الأردني من الملك الحسين بن طلال، جائزة الدولة التقديرية الأولى لمساهمته في التنمية الثقافية في الأردن، الميدالية الذهبية من وزارة التراث الثقافي الإيطالية، ميدالية الرواد الذهبية وجائزة تقدير من اتحاد الفنانين العرب، وسام نجمة التضامن الإيطالي، وسام الحسين للعطاء المتميز من الدرجة الأولى من الملك عبدالله الثاني. وأقام العديد من المعارض في أنحاء العالم.