الدكتور عامر العورتاني أخصائي علم اجتماع الجريمة 

ومن الحُبّ ما قتل، نعم فقد يكون الحُبّ قاتلاً عندما لا ينساب بين أطراف العلاقة كالماء الرقراق بصدق وعفوية، وهو قاتل عندما ينظر أحد الأطراف إلى صميم العلاقة وفق معايير المنفعة الخالصة، مستغلاً كلّ ما في الطرف الآخر من رغبة لإرضائه والحرص على نجاحه وسعادته، فهو يعرف تمام المعرفة أنّه يتقدم عند الطرف الآخر على نفسه، فقد ذابت ذات الأخير في المحبوب حتى عميت عيناه عن نفسه، وصار يراها من خلال عينيّ محبوبه، فنظرة الرضى وابتسامة ساكنة منه تساوي الدنيا وما فيها، وإذا ما انفعل غضباً، أو أشاح بوجهه رفضاً، فإنّ العالم يتهاوى وشعور الذنب والتقصير يحتلّ كيانه، فيسرع لإرضاء الأول والانصياع لرغباته، فما تلبث ابتسامة ساكنة أخرى أن تشق طريقها عبر وجهه الخالي من التعابير، ليتأكد الأول واهماً أنّ العالم قد عاد بين يديه مرة أخرى، ومع مرور الوقت فإن المحبوب يصبح أكثر اعتماداً على شريكه فهو يملك مفاتيحه ويتقن استخدامها، فقد تكون كلمة واحدة كفيلة باستسلام الآخر واستعداده لتلبية رغبات الأول، ولشدة احتراف الأول بمعرفة مداخل الآخر وإدراكه لحجم وجوده في حياته، فإنه يلجأ في بعض المواقف إلى تهديده بحرمانه من رؤيته، أو الإعراض عنه، أو التلويح باتهامه بأنه لا يمنحه الحبّ الذي يتوقعه، إنها حالة اعتادها الاثنان على مدى سنوات، وهما يعيشان معاً دون أن يشعر أي منهما بوجود نيّة شائبة في تلك العلاقة، وكأنها حالة طبيعية من التعايش.

إنّ المشهد لمن يتصوّره يكشف عن علاقة مختلّة يبتزّ فيها طرف الطرف الآخر عاطفياً، أجل إنها عملية ابتزاز لن تنتهي في أروقة المحاكم، ولن تخضع لأحكام القانون، فالابتزاز هنا جريمة كاملة؛ القتيل فيها حي دون حياة، والسلاح فيها سمّ لا لون له ولا طعم ولا رائحة، يقترفها أحد أطراف العلاقة مستغلّاً مكانته في قلب الطرف المُحِبّ الذي أصبح أسيراً لتلك العلاقة، وهو يتلاشى تدريجياً وبصمت مزعج في كلّ مرة يخضع فيها لابتزاز محبوبه ويستسلم لإرادته المهيمنة، وقد يأتي يوم يجد نفسه غريباً عن ذاته التي انصهرت في محبوبه حتى ما عاد لها وجود، لقد أصبح رهينة في ذات محبوبه، الذي احترف التلاعب بأوتار عواطفه متلوّناً بالحبّ الموعود تارة، وبالغضب العارم واللوم المتكرر والتهديد وعقوبات الجفاء تارات أخرى.

والمبتزّ هنا يرتكب جريمته بأسلحة مختلفة، وإنّ أشدها خطراً توجيه اللوم بشكل مزمن للطرف الآخر، الأمر الذي يضعه في قفص الاتهام دائماً، فيغدو في حالة مرهقة من الدفاع عن النفس، ويتمكن منه الحزن الذي ينهش نفسه واستقرارها، فتضعف ثقته بذاته، ويأتي على ما تبقى منها موجهاً أصابع الاتهام لنفسه بالتقصير والعجز، وينتهي بسلسلة من التنازلات التي تدمره كلياً، وتؤثر على سلوكه مع مختلف تفاصيل الحياة.

وقد يتمادى الطرف المسيطر في العلاقة إلى مزيد من الضغط مستمتعاً بالآخر يذبل أمامه ببطء، فيجد لنفسه مسوّغات مختلفة لحرمان الطرف الآخر من احتياجاته النفسية كحاجته للحب والمشاركة والتواصل والأمان وتحقيق الذات والتخطيط للمستقبل، وبين ثنايا هذا الحرمان إهمال لاحتياجاته المادية من طعام وملابس ونوم أو عناية بالمظهر، وهو لا يترك فرصة إلاّ ويعلو صوته شاكياً من حجم ما يجابه من ضغوط في العمل والحياة، فهو شمشون الخارق، الذي لا مثيل له في رعايته لأسرته، وتضحيته في سبيل سعادتها، صراخ واستعراض لما يقدّم من بطولات استثنائية، وأمام سيل جارف من تضحيات البطل «عنتر زمانه»، فإنّ شعور الطرف الآخر بالذنب والتقصير يتزايد لتصغر معه نفسه وتتدنى قيمة ذاته، وقد يبلغ الأمر بالمبتزّ إلى حد ادعاء المرض كما في معظم مشاهد الفنان يوسف وهبه وهو يضع يده على قلبه... ألبي...ألبي للتهرب من موقف يُظهر خطأه وفق سيناريو الفيلم، ولكم أن تتخيلوا شعور الطرف الآخر وهو يظنّ أنّ الأول يُشرف على الموت أو يواجه الخطر، فيهرع راكعاً بين يديه ليهبه الحياة، وقد نسي كيف بدأ الموقف أساساً، كذلك فإنّ المبتزّ يقف دائماً على مقياس «ريختر»، دائم التوتر، دائم الانفعال، يثور لأتفه الأسباب، والحبّة عنده قُبّة، تجده مكفهراً متأبطا الشرّ ودائماً «شايل طاجن سته»، حتى يمكن أن نصنفه ضمن أقارب سنفور غضبان إذ لا يعجبه العجب، وهو ما يدفع كلّ من حوله لتجنب غضبه، وإرضائه حتى لا يبلغ ساعة الانفجار، ومثل هذا الأخ ماهر في تلوّنه بأساليب ابتزاز من حوله مستدرّاً عطفهم في موقف، أو مثيراً لمخاوفهم في موقف آخر، يرى نفسه طاووساً في حضوره وأسداً يزأر في قوّته.

لا شكّ إذا أنّ التلاعب في مشاعر الآخرين ممن يرتبط بهم الفرد بعلاقة عاطفية يمكن أن يتمّ في نطاق الأسرة من قبل الزوج اتجاه الزوجة أو الأبناء، كما يمكن أن تكون الزوجة هي الطرف المُبتزّ في تلك العلاقة؛ إضافة إلى إمكانية أن يظهر هذا السلوك بين طرفين كالأخوة، والأصدقاء المقربين، والرؤساء والمرؤوسين في العمل لأهداف وغايات مختلفة تحكمها طبيعة العلاقة والمنفعة المتأتية منها، وإنّ الاعتماد على سلوكيات كالتمارض والتهديد والإهمال واللوم والتوتر وغيرها لتحقيق غايات المبتزّ، يُعتبر خديعة رخيصة و ابتزازاً ممنهجاً يستهلك الطرف الآخر في العلاقة، وينأى بها بعيدأ عن الاستقرار والحُبّ المبني على تبادل الاحترام و الاهتمام والتعاون والسكينة والعطاء الصادق، وإنّ الطرف الذي يتعرض للابتزاز يُستنزف بمقدار حُبّه واستسلامه لسيطرة الطرف المبتزّ، وبمقدار ما تمت تنشئته وفق ظروف أسرية ضاغطة أفقدته تقدير الذات والشعور بالأمان، ما يجعله غير قادر على الشعور بالآخر وهو يذبحه بسكين اعتاد مرورها في روحه ونفسه حتى ما عاد لجرح بميّت إيلام، ما يدفعنا إلى التدقيق أكثر في الكيفية التي ننشئ بها صغارنا، فنتوقف عن تهديدهم بالعقاب إذا لم ينجزوا واجباً ما، أو توجيه عبارات توحي بالتوقف عن حبهم إذا لم يكونوا مطيعين، كما يجب أن تسبق نظرتهم الذاتية لإنجازاتهم نظرتنا لها، دعوهم يرون العالم بعيونهم لا بعيونكم، ثمّنوا حتى أبسط إنجازاتهم، ليكبر تقديرهم لذواتهم، وعلموهم الاعتماد على النفس، وساعدوهم ليمارسوا العطاء ويعتادوه دون شروط، تقبلّوا منهم أن يقولوا (لا) بالطريقة المناسبة والتوقيت المناسب، عندها فإنّ ارتباطهم بشريك مبتزّ في المستقبل لن يكون وارداً؛ فهم لم يعتادوا الضعف والخنوع، إذ تذوقوا معنى التقدير، واختبروا ذواتهم من خلال تجارب الطفولة التي صقلت شخصيتهم وأحاطتها بدرع واق من هجمات طواويس المجتمع وسلوكياتهم المبتزّة.

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com