آخر الأسبوع - وليد سليمان

خلال أقل من سنة ماضية ضجت الصحف ووسائل الإعلام العربية برحيل عدد من الأطباء العرب المشهورين محليأ في مناطقهم من البلدات والمدن العربية في كلٍ من الاردن ومصر والجزائر!!.

وذلك لأن هؤلاء الأطباء وأعتقد هناك غيرهم كذلك- ممن وُصفوا بأنهم من الأطباء المحبين والمخلصين للمرضى الفقراء.

«رضوان السعد» من الاردن

في شهر أيلول من العام 2019 رحل في مدينة اربد الاردنية الى العالم الأبدي الطبيب «رضوان السيد» المعروف لدى مئات الآلاف من سكان محافظة اربد بصديق المرضى الفقراء.

فقد ظل لأكثر من أربعين عامًا يقدم خدماته الطبيبة للفقراء بشكل مجاني أو رمزي جداً!! حيث كان الدكتور السعد صاحب أوّل عيادة في مخيّم إربد للاجئين الفلسطينيين.

وكان هذا الطبيب المليء بالإنسانية يرفض بشدة الظهور أمام وسائل الإعلام.. لأنه يؤمن ان رسالته هي إنسانية لمساعدة الناس الضعفاء مادياً وصحياً.. وليس للتفاخر والمباهاة بما يقدمه أمام نفسه والناس والإعلام.

وكان الطبيب رضوان أحمد محمَّد السعد قد وُلد في العام 1946 في طبريا ودرس الثانوية العامة في إربد.

ثم ذهب السعد في بعثة الى بودابستهنغاريا ليدرس اللغة والطب عام 1968،ويتخرج في الجامعة عام 1975.

ثم يذهب الى بغداد للعمل كطبيب هناك, ثم يتطوّع في جبهة التحرير العربيّة في جنوب لبنان كطبيبٍ، ولم يمكث طويلًا، إذ عاد إلى إربد, وكانت عيادة السعد أوّل عيادةٍ في مخيّم إربد افتتحت عام 1978 أو 1979، من بعد عيادة وكالة الغوث.

وكان الطبيب السعد «موسوعة في الطب» كما وصفه الناس هناك في إربد.. وقد كانت أجرة المعالجة ربع دينار ثم ارتفعت الى نصف دينار ثم دينار ثم أخيراً الى دينارين!! وذلك بسبب شكوى بعض الأطباء الآخرين!!ومع ذلك حافظ على التعامل مع مرضاه رغم ارتفاع أعدادهم, وكان أحياناً لا يأخذ أية أجرة بل يعطي المريض الفقير الدواء من عنده.

وكان مستعداً لأن يداوم في عيادته المتواضعة فترة طويلة وطوابير كثيرة تنتظر دورها.. وكان لا يرفض بالذهاب للأمور الصحية الطارئه الى مناطق بعيدة لمعالجة مريض لا يستطيع المجيء الى عيادته وسط المطر ووحل الطرقات.

في توديع الطبيب

وفي ظهر اليوم التالي لوفاة الطبيب السعد, وكان يوم الجمعة, كان القسم الشرقي من مدينة إربد قد أغلق تقريبًا.. وقد أقبل الآلاف من الناس الى مسجد أبو هلال للمشاركة في الجنازة المهيبة للطبيب السعد، وخصص خطيب الجمعة خطبته للفقيد, وامتلأ المسجد والساحات الجانبيّة بالمصلين، وأُغلق الشارع الواصل بين مدينة إربد وشرقها، وحضر رفاقه من عمّان والكرك وإربد وقراها، مرضى ومساكين، ليُحمل النعش إلى مقبرة المدينة الصناعيّة.

وكان كل ذلك مؤشراً على حجم الوفاء في قلوب الناس لهذا الرجل المعطاء الذي لم يهتم بمصالحه الذاتية والمادية بقدر اهتمامه بالناس أبناء وطنه الفقراء.

تكريم الطبيب السعد

وفي ذلك اليوم نعى جلالة الملك عبد الله الثاني، الطبيب الراحل رضوان السعد الملقب بـ«طبيب الفقراء». وكتب جلالته عبر حسابه الرسمي على «تويتر»:

"الأردن بلد الخير والعطاء لا ينقطع منه الخيرون. كلنا فخر أن من بيننا من تفانى في قضاء حوائج الناس وسعى للخير والعمل النافع من أجل مجتمعه ووطنه، رحم الله الطبيب رضوان السعد صاحب الروح النبيلة».

وفيما بعد قررت بلدية إربد الكبرى بناءً على لجنة التسمية والترقيم وبموافقة المجلس البلدي تسمية دوار شركه الكهرباء الواقع على مدخل مخيم إربد باسم الطبيب «رضوان السعد» تقديرًا وتكريمًا لأفعاله الإنسانية التي قام بها على مدى العقود الماضية.

محمد مشالي من مصر

وفي أواخر شهر 7 من هذا العام 2020 رحل الطبيب المصري محمد عبد الغفار مشالي عن عمر يناهر 76 عاما، بعد رحلة طويلة في علاج الفقراء حتى وصف بأنه «طبيب الغلابة»، وشيعته مصر بحزن كبير.

وبتلك المناسبة المفجعة فقد نعى مدونون على مواقع التواصل في مصر والعالم العربي الطبيب المصري محمد مشالي المحب للفقراء من المرضى.

حيث ودع المدونون على اختلاف انتماءاتهم وجنسياتهم الطبيب محمد مشالي، مؤكدين أنه مثال لن يتكرر.. وأنه من الواجب الاحتذاء به في تفانيه وإخلاصه لوطنه وعمله.

وكان الطبيب محمد مشالي قد تخرج في كلية طب قصر العيني عام 1967، وكان مسؤولاً عن أسرته عقب وفاة والده فعمل بالريف المصري، وقرر تكريس حياته وعلمه لخدمة الفقراء بعد حادثة وفاة أحد الأطفال بين يديه بسبب عدم قدرة أسرته على توفير الدواء له.

وأثار الطبيب مشالي الجدل بسبب مظهره وعيادته التي اعتبرها كثير من الأطباء صورة خاطئة ونموذجا تريد الدولة تصديره على حساب دعم الأطباء.

وقبل وفاة الطبيب مشالي بشهور كانت هناك محاولة تقديم مساعدة مادية له من قبل أحد البرنامج التلفزيونية العربية!! ليرفض بدوره تلك المساعدة!!.

وهذا الطبيب المصري، محمد مشالي، كان قد نعاه شيخ الأزهر، أحمد الطيب، بوصفه «مثال للإنسانية»، واعتبرته روزى دياز، المتحدثة البريطانية للشرق الأوسط، «إنسانًا عظيمًا فقده العالم» بعدما كرّس حياته لعلاج الفقراء».

لقد كانت تجاعيد وجهه مع تقدم سنه وانحناء ظهره، تقول إنه كافح طيلة عمره دون انقطاع، تارة من أجل «تربية أبنائه الثلاثة، وأبناء شقيقه الأيتام»، ومن أجل آخرين يحتاجون للعلاج من الطبقات الفقيرة المهمشة.

وكذلك لم ينس وصية والده عبد الغفار بالفقراء، فبأقل من نصف دولار، يستطيع من ضاقت عليه حياته أن يتلقى كشفا طبيا وربما علاجا !! عند الطبيب محمد مشالي، «ومن ليس معه لا يدفع».

وفي ظل بساطته المعهودة، حيث لم يمتلك بحياته سيارة فارهة كما يستقلها بعض من أبناء جيله، قال مشالي بقناعة نادرة: «أعطتني الدنيا أكثر مما أتمنى وأستحق».

وفي وصيته يقول: «أوصيكم خيرا بالغلابة.. أوصيكم خيرا بالغلابة».

محمد توات من الجزائر

وتوفي الطبيب الجزائري محمد توات، إثر إصابته بفيروس كورونا المستجد، وفقا لما نقلته وسائل إعلام محلية جزائرية بتاريخ شهر تموز من هذا العام 2020, وكان الطبيب الراحل بقي يتردد على عيادته في العاصمة الجزائر لمعالجة مرضاه على الرغم من تفشي الفيروس، قبل أن يصاب به ويدخل المستشفى.

وكان الطبيب الراحل معروفا بإجراء الفحوص الطبية مقابل ثمن رمزي (1.5 دولار أمريكي)، بينما كان يعالج الفقراء مجانا ويزودهم بالدواء على نفقته الخاصة.

وقد اكتسب الطبيب محمد التوات شهرة كبيرة؛ لكرمه ولعطفه على المرضى، ولذلك أطلقوا عليه لقب: «طبيب الفقراء».