رائحة الوطن تجدها على ورق الصحافة صباح كل يوم, ينتظرها الجميع ويبحث عنها المعتاد عليها وان كانت بعيدة عن مكان سكنه, أذكر أنني في بداية تعلقي في الصحافة انني كنت استقل الحافلة من قريتي إلى السلط من أجل أن أحصل على جريدتي المفضلة, من بيده جريدة كان الجميع يرفع مستواه الى مصاف المثقفين والمميزين والمتابعين للشأن العام, لهؤلاء يكون السؤال ومعرفة ما يجري في المحيط المحلي او الخارجي, يمتـلك الأجابة والمعرفة ويحظى بالتقدير والاحترام, كانت الدولة بأكملها موجودة على ورق صحافتها عندما كان للصحافة وقعها وتأثيرها الفعال في تغيير المسار السلبي الى الإيجابي.

للصحافة الورقية ومن جاهد لأجلها صولات وجولات في تنوير المواطن الأردني وتحفيزه للدخول عنوة إلى ما يشغل وطنه، وما يعاني منه من مشاكل تلامس حياته وتؤثر في معيشته، كانت سلـطة رابعة وإن حسبها البعض أكثر من ذلك بسبب قدرتها على التغيير والتعاطي مع الشأن المحلي والسياسات الحكومية ودورها في أعادة السكة لمـسارها الطبيعي, كان لها سطوة ترعب الفاسدين والمسؤولين أصحاب النفوس الضعيفة والمرتجفين, في تلك الحقبة كان قادة الصحافة في الأردن من سادة الفكر الوطني والحس القوي بأمانة المسؤولية والطرح, أسماء رسـمت لها في مخيلة المواطن صورة المنتمي لثرى وطنه ولا يزحزحه عن قناعاته إغراءات هذه الحياة أو خوف من مسؤول.

نجلس مع بعض الأحبة من الصحفيين العاملين في الصحافة اليومية أو الأسـبوعية، وإن غابت غالبيتها, يكون الحديث مؤلماً وواقع معيشي صعب جداً, ويزيد بعضهم في وصف معاناته هذه الأيام نتيجة التدهور الكبير في تراجع إيرادات تلك الصحف مما أثر بشكل قوي على مصادر رزقهم, طموحهم كان أن يتم بناء وطن سليم يرتكز على قيم العدالة والحق والرفعة والبعد عن الظلم، والمحسوبية والواسطة، وكل ما يعكر هذا الوطن من جنوبه إلى شماله, لم تكن الغاية الاهتمام بتحسين مصادر رزقه من أجل أسرته كان الوطن هو الأساس في نظرهم, غالبيتهم انقياء ويمتلكون ثقافة وسمو ترفع لهم القبعات.

في الرابع من تموز كتب الاستاذ راكان السعايدة في جريدة $ مقالاً بعنوان «صندوق دعم الصحافة.. ضرورة وطنية» كنت أود أن تعقد الحكومة جلسة خاصة لمناقشة هذا الطرح، والسبب أنها تأتي من متعمق بقضايا الصحافة الورقية.

نعم.. الصحافة هي واجهة حضارية لأي دولة, عندما نضعها في لغة الأرقام خسارتنا لن تقدر, هي ثقافة وتواصل ورفعة دورها في رفع مستوى التوافق الوطني بما يخص قضاياه, إحدى المرات جاء عندي صحافي مشياً على الأقدام من منطقة قريبة من مكان عملي لعدم امتلاكه في حينها أجرة السرفيس, طلبه كان سيجارة وفنجان قهوة ومن ثم تقاسمنا ما امتلكه, ندعو كل مخلص لوطنه أن يسعى لإعادة الروح والحياة إلى صحفنا الوطنية لبقائها مرفوعة الرأس.