أ. د. كميل موسى فرام

إن الاهتمام والرعاية التي تتطلبها ظروف السيدة الحامل لصنع رحلة مثالية، يتطلب التوسع في توضيح مفاهيم وأركان الرعاية والحمل حتى لا يقتصر الأمر على سحب من العواطف الموسمية، حيث يقتصر الأمر على تغير ملزم بالوجبات الغذائية المحسنة والتركيز على تناول الأغذية والمدعمات الضرورية للحمل، ويختتم برنامج الاهتمام بمراجعات دورية بقصد الاطمئنان على نمو الجنين وسلامته، وكأن السيدة تشحذ العطف لجنين ينمو في رحمها سيشكل شمعة جديدة تضيء للعائلة ركناً مظلماً بعد ليل مظلم، فهناك من التغيرات الفسيولوجية المرافقة للحمل حكماً ونتيجة، بسبب اختلال المعادلة الهرمونية، وهي مضاعفات مرتبطة حكماً لا يمكن تفاديها، ولكنها قد تؤثر بالمزاج العام والتصرف للحامل بحدود متعارفة والذي يشكل مصدر القلق الأول للسيدة الحامل خوفا لاستمراريته بعد الولادة، وهناك من التغيرات المزاجية والنفسية والتي تلزمنا بضرورة مراعاة السيدة الحامل، لمستجدات الواقع إكراماً لها ولجنينها، فيشكل الخوف والقلق من الحمل ومن الغد المجهول هواجس ترافقها، والتي تحرمها من التمتع بحرية التنقل والتصرف طيلة فترة الحمل.

يشتعل نار الخوف الحارق لو تجاهل الزوج حقيقة الشعور ومشاركة هموم الحمل الزوجية، وسواء كان ذلك بقصد أو بحسن نية، والحامل تعتقد–وأنا أوافقها الرأي - أنها بأمس الحاجة للدعم الكامل من الزوج فعلاً وعملاً وليس قولا، لإطفاء هواجس الخوف التي تعصف بها، وهي الربان لسفينة الحمل التي تبحر في أعاصير الأيام، والخوف يبدأ منذ لحظة التفكير بالحمل سواء لنجاح المحاولة أو فشلها، ليشكل ذلك كتاباً لصفحات مريرة تكتب حروفها بمداد التفكير وتنقش فصولها بأعصاب مرهقة، فالخوف المشترك للزوجين يبدأ بفشل الحمل لنسبة مقدرة، لتجد الزوج في الغالب يبرر الفشل لظروف الزوجة، لتتحمل مسؤولية الخسارة إن جاز التعبير اللغوي (وهو ليس كذلك)، وهناك صفحة خوف تالية من فشل الحمل بعد مرور أسابيعه الأولى، فيمطر الزوج لقرينته عاصفة من الحنان والحرص، لتجد الصورة المثالية التي طالما حلمت بها ببوصلة الزواج التي تنحرف بزاوية عكسية، ليصبح الشريك الحقيقي بالمنزل بجميع محاوره، ويرافق ذلك خلال هذه الفترة الحرجة بداية أعراض الاختلال الهرموني المرافق، فيتغير المزاج وتصبح العصبية صورة متكررة ومرافقة للسلوك اليومي بحكم الواقع، يقدر لها بظرفها دون مناقشة أو علاج تحت مبرر الحمل، لتبدأ بعدها مرحلة الصراع الداخلي والمعلن ببعض مفاصله، حيث أنها خائفة من تناول غذاء معين أو تناول شراب معين خوفاً من تأثير ذلك على الجنين، وهي خائفة من القيام برحلة أو نزهة خشية أن يؤثر ذلك على الحمل أو الجنين، لتدخل بوابة نفق الخوف من علاج المرض واجراء الفحوصات الطبية اللازمة حرصاً على سلامة الوافد المنتظر، حتى إذا دخل قطار الحمل مرحلته الثالثة يكون محاصراً بوابل من التفاهمات المؤثرة.

وهناك ظروف صحية قديمة مستجدة تحتل مساحة على خارطة العناية، فارتفاع ضغط الدم المرافق للحمل، أو ظهور مرض السكري المستجد، أو الدخول في أجواء فقر الدم المرافق مثلاً، يشكل محاور خوف وحرمان مستجدة، قد تكون مشتركة بين الزوجين أحيانا كواقع ونتيجة، ولكنها من نصيب السيدة بالتأكيد لطبيعة المجتمع الذكوري مهما اختلفت مسبباتها، لتدخل السيدة الحامل بشهرها الأخير وقد تغيرت معالمها الخارجية بزيادة فسيولوجية لوزنها، ممزوج برياح الخوف من الولادة ومضاعفاتها وآلامها، يحدها خوف وخوف؛ الطلق الاصطناعي المساند الذي يستخدم بفنون الولادة المعاصرة، وهناك صفحة المسكنات التي تتطلب الشرح والتفسير والتطبيق وما أمكن تناوله أثناء مراحل المخاض الطويلة، حتى لو كانت هناك تجربة سابقة عصفت بها بغير موفقية أو الخوف من تكرار سيناريو الولادة المؤلم لقريبة أو صديقة وقد شرحت بتعبير يترجم هاجس الخوف من مجهول قادم إلى واقع يغلف الأيام التالية، والولادة كفكرة وواقع تشكل مرحلة وظيفية محببة وحساسة برحلة الحمل الطويلة، ويجب أن يشكل عصب الزوجين والرصيف الواقعي لقاربهما، وتختلط أوراق الخوف بصورة أكبر عندما تتلبد الأجواء بغيوم الاختيار بين الولادة الطبيعية أو الولادة بعملية قيصرية، ولكل منهما مبرراته وظروفه ومضاعفاته وأسطر معاناته، بل بشكوى وألم بمرحلة التنفيذ وما بعدها.

تمتزج أزهار السعادة بالوافد الجديد بأشواك الألم والخوف، وتتشكل لوحة متغيرة الألوان تحاكي الطبيعة، وقد نُقشت ورُسمت بدموع الفرح والسعادة والخوف والمعاناة، مزيج يناقض وبتقديري أن رحلة الحمل بمرحلتها الممتدة من الاسبوع السابع والعشرين وحتى انتهاء مراسم الولادة والعودة للمنزل، تمثل المرحلة الأدق، التي تحتاج بها السيدة للمساعدة والتشجيع والدعم غير المتناهي، بجهد الزوج والشريك الذي يجد الفرصة للبرهان أنه شريك فعلي مساهم بفصول الحمل والولادة، فيقدر خوف زوجته ومعاناتها، وهو المكلف الأول بازالة كابوس المجهول، والزوجة بحاجة لهذا البرهان كواقع، والذي يساوي عندها الكثير كترجمة فعلية لمفهوم شريك العمر، لأن من يعتقد أن دورها الريادي قد انحصر كمنتجة للأجيال، يصنف كوريث شرعي للجهل والجاهلية، ويرتدي قناع التخلف لإقراره بايقاف عقارب الزمن، وانكاره بأهمية الأنثى المقدسة كأم وابنة واخت وزوجة وموظفة، لأن الواقع أنها نصف المجتمع الجميل والمضيء بدون تحديد سقف أو بناء سور لمحيط الابداع لديها، ويقيني أن المرأة تستطيع تحريك النقاط على الحروف واعادة تشكيلها بلمسة ونظرة وابتسامة، ودون أن يتمكن الكل من ترجمتها حسب قاموس الأيام والأعراف، وهو أمر نقدره نحن معشر الرجال لنكون شركاء حقيقيين برحلة الحمل والولادة، نشاطرها الخوف، ونمتص الهواجس، نحتضنها بدفء أثناء البرد والضباب والظلام، نقاسمها الهموم، ونجعل من أفعالنا ضمانة الاطمئنان والأمان للصبح القادم، حيث اختلفت ظروف الحياة، وأصبحنا شركاء بكل خطواتنا وللحديث بقية.