أخيرا استسلم الذوات، ممن تداعوا لإشهار حزبهم الذي راهنوا علىيه كفاتحة التغيير الليبرالي والعلماني في دولة محافظة، فقدموا استقالاتهم من حزب التحالف المدني، قادهم وزير الخارجية الأسبق د. مروان المعشر صاحب فكرة التحالف، وتبعه شخصيات صبروا عبر سنتين على جمر الخلافات، قبل أن يواجهوا الحقيقة التي كانوا منكرين لها، حيث تبع المعشر شخصيات وازنة كالوزيرين السابقين سعيد دروزة ومها الخطيب ودريد محاسنة وهنري عزام ورانيا عطا لله وأكثر، من بينهم خمس نساء ورجل من عائلة واحدة.

فما الأسباب الحقيقية التي تدفع بهذا التنظيم الحزبي لفرط عقده، وهل عدم الانسجام بين أعضائه السبب فضلا عما وصفه المعشر من الجهل السياسي والمهاترات الشخصية وعدم التوافق بين القيادات وانعدام الشفافية والتعاونية المدنية البناءه حسب وصفه، ما قوض فكرة نشوء إطار حقيقي لتيار الدولة المدنية التي أجمل حلمها بقواعد تشبه قوس قزح في يوم ماطر، ما يدلل على فشل تجربة رفعت رأسها قبل أربع سنوات، فهل هذا حكم إعدام لفكرة التيار الذي كان أقرب الى حصان طرواده لدخول أسوار الدولة الأردنية المدنية المحافظة؟

يبدو أن الحزب ولد مريضا منذ بدايته كغيره ممن رحل أعضاؤه وبقي الرئيس التاريخي، فقد قدم أمينه العام فريد مصاروة استقالته مبكرا، ورفض تيار متسق بالأفكار الدخول ضمن إطار الحزب، ورغم أن الحزب كان رافعة لإيصال قيس زيادين للبرلمان، فقد انضوى تحت راية قائمة «معا»، ولم ينجح أحد في رتق الفتق بين أعضاء التيار الذي حاول إقتلاع أشجار الغابة الأمازونية لبناء هيكلهم على رأس الجبل، بل تأطر الجميع في مسميات تعود لحقبة الشيوعية التي نجح قطبها يعقوب زيادين الذي وصل البرلمان عن محافظة القدس 1951.

القصة اليوم لم تعد قصة حزب لم يجد موطىء قدم في شارع مؤدلج مسبقا وبيئة اجتماعية لها موروث ديني إسلامي مسيحي تاريخي متآخٍ، بل هي أقرب إلى من اشترى جملاً ليحلبه ونسي أن الحلوب هي الناقة، فركب الجمل وعجز عن بيعه في سوق يعج بالحلابات، بل القصة هي في فوضى الأحزاب التي وردت بئر الحكومة سعيا لدعمها، ولم تنجح بتسويق أي نظرية تقدمية بعيدا عن المنافسات للزعامة، وباستثناء حزبين متكئين على قاعدة عقائدية بقيت جميع الأحزاب المتبقية بعدد ستة واربعين حزبا تقتات على الدعم المالي الحكومي.

إن زمن الأحزاب الحمراء ولى، ومع وجود حزب على أساس ديني يجد تحالفا غير منتسب له في الشارع، فإن حزب الدولة هو الوحيد الذي بقي صامدا طيلة السنين، ومع السماح لبعض الأشخاص للتعبير عن أحلامهم العلمانية أو المخففة بمحلول يسمى الليببرالية لينشئوا إطارا لحزب لم يستطع المنافسة رغم الدعم الخارجي فكريا على الأقل، فإن جميعهم فشلوا في إقناع الشارع بأفكارهم وأثبتت الأحزاب أنها امتداد لحب السيطرة المتبادلة على الكراسي.

هنا ورغم الإتهامات بالتدخلات والتعقيدات والضغوط على التحالف المدني فإن تجربته أشبه بمن يجرب أكل الحنظل.