عمان - غدير سالم

عسر القراءة أو ما يصطلح عليه أيضاً الديسلكسيا، من أشهر صعوبات التعلم وأكثرها استئثاراً باهتمام العلماء والمربين، وذلك لكون القراءة من أهم المهارات الأساسية التي تبنى عليها جميع التعلمات في جميع المواد الدراسية، وبدونها لا يمكن للمتعلم أن يمضي قدماً في مسيرته التعليمية، كما أن وجود عينة من الطلاب يعانون من عسر القراءة في الصف الدراسي من شأنه التأثير على المستوى العام للطلاب، وهدر الكثير من الوقت والجهد في معالجة ظاهرة لا يُعْرف عنها الكثير في الأوساط الدراسية.

وتوضح التربوية المتخصصة في مجال الإرشاد والصحة النفسية نجوى حرز الله مفهوم الديسلكسيا فتقول : «في البداية أود إعطاء مثال (إذا قمت بالدراسة جيداً وعندما دخلت الامتحان وجدت الأسئلة جميعها مكتوبة بلغة لا تفهمها مثلاً لغة لاتينية أو صينية وأنت لا تعرف كلمة من هذه اللغة علماً بأنك درست جيداً، سيكون الامتحان عبارة عن طلاسم أو رموز رغم أنه ذات ما درست والأسئلة التي تعرفها،لكن اللغة لا تفهمها هذا تحديداً ما يحدث للطفل المصاب بالديسلكسيا أو عسر القراءة للحروف والأرقام».

وتتابع : «فالكلمات تبدو للطفل رموز غريبة أبداً لا يفهم معناها رغم أنه يعرف الحروف إلا أن عقله لا يفسرها إلى معنى أو لغة مفهومة».

وتبين حرز الله: «الديسلكسيا هي إضطراب عسر القراءة وهذه الكلمة مكونة من مقطعين الأول (Dys بمعنى عسر أو صعوبة) والثاني (Lexia بمعنى الكلمة المقروءة)، وهي ليست مرتبطة فقط بصعوبات في التعلم الدراسي ولكن بالتعلم بشكل عام، وتعرف على أنها اضطراب في القراءة ذو منشأ عصبي خارج عن نطاق أي إعاقة عقلية أو حسية، وليس مرتبطا بعوامل ثقافية أو بيئية أو بعدم رغبة الطفل بالدراسة ويمكن تشخيصها عند الأطفال عقب ستة شهور على الأقل من البدء في تعلم اللغة الكتابية».

وتضيف حرز الله : «ويصعب على الطفل تمييز الحروف والأرقام لأن عقله يجد صعوبة في ترجمتها فهو يراها بصورة مختلفة عن الإنسان الطبيعي، فالإنسان الطبيعي عندما يقرأ (ت.م.ر) عقله يستحضر صور التمر، لكن طفل الديسلكسيا لا يستطيع قراءة الكلمة بالتالي لا يستطيع فهم معناها، لذلك من أجل أن تقرأ وتكتب من الضروري أن تربط الأصوات مع الأحرف وتعرف معنى الكلمات، لكن طفل الديسلكسيا لا يستطيع ذلك فهو يرى الحروف في كلمة (كتاب) مثلاً (ك.ت.ا.ب) هي حروف تتراقص أمام عينيه بدون أي معنى واضح في عقله يصورها وكأنها عالماً من الخيال أو لعبة».

وتنوه حرز الله: «طفل الديلسكسيا هو بالظاهر طبيعي جداً لأن المشكلة لا نستطيع اكتشافها بسهولة، حتى طبيب العيون لا يستطيع أحياناً تشخيص الحالة حتى بعد فحص العيون، فلا يوجد من يشخص الحالة سوى متخصص في صعوبات التعلم أو طبيب أعصاب».

وتضيف :«علينا أن نعلم بأن المشكلة ليست في النظر بقوته أو ضعفه أو في العين نفسها، ولكن هي مشكلة في ترجمة العقل للصور أو للرموز التي تلتقطها العين فهو يراها ويترجمها بصورة مختلفة أكثر إبداعاً من الشخص العادي، عدا أن لديه دقة ملاحظة ومنظورا مختلفا لرؤية الأشياء العادية، ولكن مشكلته بأنه ظاهرياً يبدو طبيعيا ويساء فهمه على أنه كسول أو غبي أو مهمل أو أحياناً وقح حسب إظهاره لما يفهمه، ويتعاطف معه من يفهمه ويفهم كيف يدرك الأشياء، عدا أن لديه مشكلة في اتباع التعليمات مثلاً (افتح الباب وأحضر الكتاب واجلس مكانك) هنا يصيبه تشويش كبير جدا، ولديه مشاكل أو صعوبات في المهارات الحركية مثل فتح السحاب أو إغلاق أزرار قميصه أو ربط رباط الحذاء».

وترى حرز الله أن: «طفل الديسلكسيا يكتب حروفاً لكنها غير مرتبة وغير مفهومة، ويكتبها معكوسة كأنها معكوسة في المرآة، ويعكس أغلب الحروف على عكس الطفل العادي الذي يعكس بعض الحروف في بداية تعلمه الكتابة، وهناك العديد من المشاهير المبدعين الذين عانوا من الديسلكسيا ولكن لأنهم ينظرون للعالم بشكل مختلف ويفكرون خارج الصندوق ابدعوا ولم تأثر هذه المشكلة عليهم مثل جنيفر أنيستون، وستيفن سبيلبرغ، ومحمد علي كلاي، وجون إيرفنغ وغيرهم الكثير».

وتابعت حرز الله : «طفل الديسلكسيا كل ما يريده طريقة تعليم مختلفة عن طرق التعليم التقليدية ليصبح مبدعا وعبقريا،وليصبح مخترعا أو فنانا أو عالماً، وطرق التعليم التي تعتمد على الحواس مثل اللمس واللعب والحركة تفيده بشكل أكبر».

ولم يتوصل الطب إلى علاج لعسر القراءة حتى الآن، فهو عبارة عن حالة مرضية تدوم طوال العمر، وتنتج عن سمات موروثة تؤثر في كيفية عمل المخ، والإصابة لا تعني أبداً الفشل الدائم في القراءة والتعلم، فالعديد من الأطفال المصابين تمكنوا من النجاح في المدرسة، عن طريق حضور دروس إضافية، أو برامج تعليم متخصصة، إلى جانب الدعم العاطفي الذي يعتبر عاملاً مهمًا في العلاج.

ولكن بعد تشخيص عسر القراءة، ينبغي اعتماد خطة علاجية بإشراك جميع الفاعلين انطلاقاً من الطبيب المعالج، والأسرة والإدارة التربوية، ووصولاً إلى المدرس والطلاب، فالطفل الذي يعاني من عسر القراءة يحتاج إلى التشجيع المستمر من قِبَل الأهل من أجل رفع معنوياته، كما يحتاج لمعاملة خاصة في المدرسة لمراعاة الإشكاليات التي يعاني منها وإعطائه فرصة لاستغلال مهاراته وقدراته العقلية السليمة.

من جهة أخرى، ينبغي أن تتناسب الخطة العلاجية والأسباب الكامنة وراء الديسلكسيا، فإذا كانت هذه الأسباب نفسية بالأساس، فلابد من تدخل الطبيب النفسي والتنسيق مع الأسرة والمدرسة، أما إذا كانت الأسباب تعليمية تربوية، فينبغي مراجعة الطرائق والمناهج والوسائل المتبعة في التدريس، بحثاً عن السبب وراء هذا الاضطراب في التعلم، سعياً نحو تجاوزه، وفي الإطار التعليمي التربوي، يمكن للمدرسين الذين يعانون من مشكلة عسر القراءة في صفوفهم الدراسية اتباع بعض الاستراتيجيات كتحفيز طفل الديسلكسا وتشجيعه على المشاركة.