مبكراً، وقبل أن تبدأ عمليات الترشيح والدعاية الانتخابية، رصدت الهيئة المستقلة للانتخاب العديد من المخالفات، يتعلق بعضها بما يسمى «المال الأسود». حيث كشف رئيس الهيئة الدكتور خالد الكلالدة في حديث له مع جماعة عمان لحوارات المستقبل عن 26 مخالفة من هذا النوع من بين 49 مخالفة انتخابية تعاملت معها الهيئة، دون أن يكشف عن تفاصيلها.

وهذا يعني أن عيني الهيئة مفتوحة على مثل هذا النوع من المخالفات التي طالما شكلت أحد أبرز الهواجس التي حكمت رؤية قطاعات واسعة من المواطنين للعمليات الانتخابية التي جرت في مواسم سابقة، وأية انتخابات برلمانية لاحقة.

وهي خطوة ترفع من منسوب الثقة بالهيئة لدى العامة، الذين رأوا فيما حدث خطوات جادة لرفع منسوب النزاهة لهذا الاستحقاق الدستوري. لكنها في الوقت نفسه تعني أن مثل تلك المخالفات موجودة، وأن مرتكبيها موجودون في الساحة ويمارسونها بطرق مختلفة أملا بأن ترجح كفتهم في العملية الانتخابية التي صدرت الإرادة الملكية السامية بإجرائها في العاشر من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر/ المقبل.

وتؤشر على أن الذين يجرؤون على ممارستها الآن، قد يكونوا نفذوها سابقا، أو أنهم يعلمون عن تنفيذها من قبل آخرين. كما يعرفون مدى نجاحها في استغلال حاجات وظروف الكثير من الناس، وتأثيرها في إيصال أشخاص إلى القبة.

والأمل هنا أن توسع الهيئة من أدوات الاستشعار لديها، والاستعانة بأجهزة أمنية وحكومية مختصة في سبيل التضييق على من يخططون لاستخدام المال الأسود في تسهيل وصولهم إلى القبة، وفرض وجودهم في مواقع تخولهم خدمة مصالحهم الشخصية بدلا من تمثيل الشارع في مجالي الرقابة والتشريع.

غير أن هذه المخالفات، ورغم خطورتها، تبدو بسيطة مقارنة مع مخالفات أخرى بدأ الحديث عنها همسا، قبل أن ترتفع بعض الأصوات محذرة منها.

فقد ارتفعت وما زالت ترتفع أصوات محذرة من نوع آخر من المال، قد يكون أسوداً، أو من تلك التي توصف بألوان متعددة تبعا لمصدرها. فالمال «الملون» الذي يجري الحديث عنه يتمثل بمحاولات خارجية لدعم مرشحين للانتخابات المقبلة.

وتتحدث تلك الأصوات عن أمور تتخطى الدعم المالي لشخصيات تنوي ترشيح نفسها، إلى مجالات سياسية، وإلى ترويج إعلامي، ومصالح اقتصادية. وتشكو الأصوات مما تراه صمتا حكوميا عن كثير من المؤشرات اللافتة، والتي لا يمكن أن يتم التعامل معها ببراءة.

تلك الأصوات تستند في تحذيراتها إلى فرضية يجمع عليها كل الأردنيين، وتتمثل بأن وطننا مستهدف من قبل الكثير من الأعداء والأصدقاء، وأن حساسية الظروف التي تمر بنا، ومدى ارتباطنا بالقضية الفلسطينية، وجوارنا لأخطر عدو عرفه التاريخ، وأشد طامح لإضعافنا أملا بتخفيض مستوى دعمنا للقضية الفلسطينية.

نحن متأكدون أن في الأردن مؤسسات وطنية متميزة، وقادرة على حماية الوطن من أية أخطار، وهذا يجعلنا على قدر من الاطمئنان، لكننا في الوقت نفسه نرى أن المواطن الأردني رديف قوي لكل تلك المؤسسات الوطنية. وأنه يحرص على إظهار وعيه، وبث هواجسه التي يرصدها أو يحس بها، حرصاً على متانة جبهتنا الوطنية.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com