ملك يوسف التل

أزمة الوباء أظهرت عندنا عُقم مبدأ تجدد الأجيال القيادية في السياسة

ليس من سمات المجتمع الأردني التقيد بمفهوم سيادة القانون.. جزء من مجتمعنا فلسفته الواسطة

جائحة الكورونا أثبتت أهمية القطاع الخاص في إدارة الدولة

كل المهرجانات الإعلامية التي نراها.. لا تنفع ولا تنمي فكراً ولا فلكلوراً ولا أي شيء

كلما قوي المجتمع المدني والقطاع الخاص.. تراجع دور الحكومة في إدارة الدولة

الدولة عندنا تخشى المجتمع المدني وتضع شروطاً ورقابة على نشاطاته

يعتقد رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري أن واحدة من المفارقات الكشّافة، هي اننا انتظرنا أطول من اللازم لنكتشف مطارح ضعفنا البنيوي وأوجاعنا الكثيرة.. إلى ان اجتاحتنا الجائحة ووضعتنا في مواجهة الحقائق الصعبة التي كانت تّخفيها الدولة الريعية.. ونتواطأ معها في ذلك.

فقد كشفت الكورونا كم هو اقتصادنا هش، وكم هي عاداتنا الاجتماعية مسممة بما طرأ عليها في السنوات الماضية من استعراض مكلف، وكم ان ثروة وطنية هائلة كالزراعة منسيّة، وكم أن مشاكل الشباب تتجاوز معضلة البطالة وكيف ان الوظيفة أضحت مظنّة.

كما كشفت الكورونا ان دورة الحياة اليومية للمواطن الأردني محكومة للركض السريع الذي يقطع الانفاس ولا يترك مجالا كافيا للانسانيات التي أجبره الحجر المنزلي أن يعيد اكتشافها.

طاهر المصري ربما كان رجل الدولة الوحيد الذي يقبل أن يتحدث عن الكورونا بهذه الاحاطة والاطالة فهو يرى الجائحة من زاوية التحدي القسري الذي أجبر الجميع، دولة ومؤسسات ومواطنين،على اعادة برمجة الذات، بعد أن رهّلتها البيروقراطية وجعلتها تّعاند التغيير والاصلاح.

شكرا للكورونا إذ جعلت طاهر المصري يتحدث بعيدا عن السياسة بالذي يوجع، وهو كثير.

لكم ملاحظة عالية الصوت تشكو من ان الثقافة الأردنية مبنية من طوب الاعتماد على الدولة.. لعله نفسه الذي يسمونه الدولة الرعوية. وبعد فترة قصيرة من تلك المقولة، جاءت جائحة الكورونا مصحوبة عالميا بنظريات طبية وعلمية تطالب بتنفيذ نظرية القطيع في العلاج.. كل دول العالم وضعت، بدرجة وبأخرى، أحرازا لمفهوم الراعي والرعية، كعلاقة بنيوية بين الدول والمواطن، لكننا عشنا في الأردن هذه المعادلة بدرجة احتفالية عالية:

في السابق كانت بلادنا منشأة حديثا في بداية تأسيسها عام 1921، مطالع عشرينات القرن الماضي حيث كان طبيعيا أن تقوم الدولة بدور كبير فيما يتعلق بمعيشة الناس وترتيب أمورهم الأخرى مثل التعليم والصحة وغيرهما.

بعد ذلك نما الأردن وتوسع وأصبح بلدا رئيسيا في المنطقة حيث بلغ عدد سكاننا الآن ما يقارب 10 ملايين موزعين في كافة أنحاء المملكة، وأصبحت هناك ثروات وآليات تنمية. وبسبب موقع الأردن من القضية الفلسطينية ومسؤولياته تجاهها، حصل على مساعدات عربية من مؤتمرات القمة وأخرى عينية من دول أوروبية كثيرة. ذهب مواطنونا إلى الخليج وأبدعوا وكونوا ثروات، فبدأ التحول التدريجي من الرعوية التي كنا بحاجة لها لقلة الموارد، إلى بداية تكوين القطاع الخاص الذي جاء مع زيادة التعليم والوعي فبدأ التحول نحو القطاع الخاص.

في هذه الأثناء أيضاً نما في العالم كله قطاع مؤسسات المجتمع المدني. مع تطور السكان والوعي والتعليم أصبح بحاجة إلى المجتمع نفسه ليؤدي حاجاته ويقوم بمهامه المجتمعية، وأصبحت مؤسسات المجتمع المدني أساسية في العالم، وانتقل هذا الأمر لدينا ولكن بأسلوب ضعيف.

حصل ذلك في موضوع حماية المستهلك، على سبيل المثال. وهناك جمعيات خيرية تساعد فقراء، وأنا أساعد في كثير منها، وهي تعتمد على الأفراد وليس على الحكومات.

وفي نفس الوقت لم تنته مسؤولية الحكومة في جوانب أخرى، على سبيل المثال لدينا صندوق المعونة الوطنية، التأمين الصحي، التعليم المجاني، وكلها من مهام الحكومة، فأصبح هناك تزاوج واقتسام في المسؤولية. كلما قوي المجتمع المدني وأصبح القطاع الخاص قويا أيضا، تراجع دور الحكومة في إدارة البلاد ليتجه دورها الى تنيظم حياة المجتمع وفتح الآفاق أمامه وأمام الحكومة نفسها لتطوير البلد ورفع مستوى معيشة المواطن.

لا يوجد تناقض إطلاقاً بين ما قلته سابقاً وما أقوله الآن حسب سؤالك. وخلال أزمة الكورونا ثبت أن القطاع الخاص له أهمية في البلد، ليس فقط القطاع العام هو الذي أدار الأمر. خلال العقود العشرة الماضية ظهر نشاط وديناميكية الفرد الأردني وأصبح نفس القطاع الخاص ديناميكيا أيضاً، وهذا تطور طبيعي وانا مقتنع بهذا الكلام، ومقتنع بضرورة تقوية القطاع الخاص وتقليص دور الحكومة.

حتى في الدول الديمقراطية، في أوروبا مثلاً، ظهر ذلك واضحا بمعادلات المقارنة. رأينا كيف أن العقيدة الشيوعية جاءت وأصبحت الدولة هي التي تمسك بكل شيء، مقابلها بالعكس ونقيضها كانت الرأسمالية في أميركا تقول أن الشخص يعالج نفسه ويرتب عمله. وبينهما الاشتراكية المعتدلة تبدو الآن في الدول الأوروبية.. شئ مماثل لما نحن الآن في وضعنا الذي تمازج فيه القطاع الخاص ومسؤولية الحكومة تجاه المجتمع.

ما أريد قوله انه لا بد وأن يفرز المجتمع الأردني نخبا مختلفة جديدة، لأن طبيعة الحياة ان كل جيل يأخذ من جيل. ونحن الآن لدينا جيل حياته صعبة، ويواجه أمورا أصعب.

نلاحظ ونعرف كيف أن طبيعة تفكير جيلي وتقييمه للأمور العامة وربما غير العامة يختلف عن ابني أو حفيدي. هذا أمر طبيعي، ولكن صدف أن هذا وقته لكي يظهر في الأردن. هناك قضايا كثيرة أدارها شباب غير معروفين، بأفكار جديدة خصوصاً في موضوع حاجات الناس وإيصال المواد والدواء إلى البيوت. ظهر أن لدينا بنية تحتية لصناعات دوائية عظيمة، كنا نعرف بعضها، لكن ظهر شي أكثر من ذلك.. أمور لم يكن محسوب لها حساب.. مثلاً الكمامات وإذا بقطاع خاص ينتج منها خلال أسبوعين كميات هائلة.

هذا أمر مفيد، ليس بالضرورة أن نقصد نخب السياسيين، لكنها نخب شباب لديهم العزيمة والأفكار، ويريدون الحصول على الفرصة المناسبة، وهنا دور الحكومة بأن تهيئ لهم الظروف والأجواء حتى يبرزوا.

أما بشأن النخب السياسية وتجددها، فإنه أمر مؤسف: الشباب عازفون عن السياسة وعن أمورها.. من يعلقون ويتحدثون ويتحركون هم الجيل القديم المختلف تماما عن جيل أبنائنا.

أثناء الحديث عن ازمة تفريخ اجيال النخب، يذهبُ النظر باتجاه الفن والثقافة ايضا. فاغانينا في الاذاعة والتلفزيون ما زالت تردد شجن و ربابة ايام الستينيات لا نشهد ذاك التحديث والمواكبة الفنية، والثقافية ايضا، التي تعيشها معظم بل وكل المجتمعات العربية الأخرى. اين هي المشكلة المسكوت عنها؟. وهل ستذيبها سموم الكورونا وامصالها التي تشتغل عليها مختبرات العالم وننتظر استيرادها؟

ما ذكرته في سؤالك الهدف منه تثبيت وغرس الهوية الأردنية في نفوس أفراد المجتمع الأردني، وتأكيد أن هذه هي الثقافة التي تسير في البلد وهذا جانب منها.

أما عدم وجود تحديث أو تفكير أو أشخاص خلاقين ومبدعين.. فهذا الأمر يحتاج إلى جو حر، مجتمع يتحرك بحرية وغير مقيد باعتبارات اجتماعية، أمنية، معيشية ..الخ.

إذا انخفض التعليم ، فإن الفن يبقي محدودا لصفة واحدة. وإذا كان هناك أشخاص غير مرتاحين معيشياً، فكيف سيكون هناك تطور فني أو ثقافي وغيرها؟.. هذا غير ممكن، حتى يتم ذلك يجب أن تكون لدينا عناصر عميقة الجذور وتسير مع الزمن وتتطور، كما ما هو موجود في العراق.. لديهم فنانون وحضارة وعراقة، وفي سوريا أيضاً. مصر كانت في عزها وتقوم بتخريج كل الفنانين والكتاب والمحامين والمفكرين لكن بدأ الأمر يتراجع عندما تغيرت الحياة السياسية فيها.. مثلها مثل أي بلد آخر ينخفض التعليم ويبدأ التدهور، عندما لا يكون هناك طبقة متوسطة واسعة تهتم بهذه الأمور: بالانتاج والنضوج والمبادرة والتطور.

أذكر في وقت ماض ان أمير الكويت الشيخ صباح السالم عندما كان وزيرا للخارجية سألني: يا أبا نشأت في الكويت عدد أعضاء نقابة الفنانين 1500 فنان، وفي الأردن لم نعرف عنكم شيئا، فلم أعرف كيف أجيب. لكن كمبدأ أعتقد أن المستوى المعيشي، وحرية التفكير والتحرك، وحسن التعليم، جميعها عوامل لها مؤثراتها.

لا يوجد شك أننا نعاني من عدم التطور في هذه الأمور، المجتمع الأردني ما زال تقليديا ومقابل ذلك أن الأردن عندما كانت قراه ومدنه صغيرة والعائلات مترابطة كان هذا التراث والفلكلور الوطني موجودا لكن بشكل محدود لأن البلد كان صغيرا ومواردها قليلة. الآن انتقل معظم الريف الأردني من تلك البيئة إلى بيئة المدينة، في منطقة الوسط، من المصفاة شرقاً إلى جبال السلط غرباً في محيط 50 كيلو هذا هو الأردن. نرى كيف ان الأحجار والأخلاق وإمكانيات المدينة لا تساعد على الاندماج في بعضها البعض.

ثانياً نحن تحدثنا عن المجتمع المدني. الدولة تخشى من المجتمع المدني ولا تسمح بأن تضع شروط وقيود ورقابة شديدة على النشاطات مهما كانت. مؤخراً كانت مراقبة دائرة المطبوعات عجيبة، الآن أي جمعية تريد أن تعقد أي اجتماع يجب أن تحصل على موافقة الوزارة المعنية بالاجتماع وترى ما هو البرنامج ومن المتحدثين لكي تقرر الموافقة من عدمها. هذا كله حجز لحرية الإنسان، فلا يعود فكره خلاقا ويصبح يريد فقط أن يراعي هذه الاعتبارات، وهذا موضوع اجتماعي الحديث فيه واسع جداً.

الحرية الهادفة المسؤولة أهم شيء في حياة الإنسان، فلا يستطيع الإنسان وهو في سجن فكري أن يبدع، إذا حصلت حالات فهي استثنائية، والأمثلة حيّة. أوروبا كلها هكذا، لبنان كان هكذا، ومصر وتونس، لذلك يجب أن ننطلق بعد الكورونا انطلاقة جديدة، فهذه المهرجانات الإعلامية التي نراها دوماً لا تنفع ولا تنمي فكرا ولا فلكلورا ولا أي شيء، هذه جميعها تم عملها لأغراض تحد من التفكير، ويكون لها هدف.

ما السبب التي تعجز فيه الدولة ممثلة بكافة اجهزتها التشريعية والتنفيذية والأمنية عن تطبيق قانون منع التدخين في الأماكن العامة، رغم وجود يافطات كثيرة تتضمن هذه الجملة؟

ليس من سمات المجتمع الأردني التقيد بمفهوم سيادة القانون. الخطأ يقع على الحكومات وعلى النواب والأعيان الذين يقرون القانون ولا يطبقونه على أنفسهم.

الخطأ يقع على مفهوم تطبيق سيادة القانون، وما يسري على التدخين يسري على الواسطة والمحسوبية وعلى كل شيء، جزء من المجتمع الأردني فلسفته هي الواسطة، هكذا هي طبيعة مجتمعنا: سيادة القانون غير متمكنة لدينا.

هل صحيح أنك نصحة نجلك نشأت بالابتعاد عن السياسة؟

نشأت اختار مستقبله برغبته وارادته. مسيس ولديه وعي اجتماعي وسياسي اقتصادي عال، إلا انه يرى نفسه في عمله كرجل أعمال بعيدا عن السياسة.

للطفولة «طقوس» ما تزال عالقة في الوجدان.. ما اهم ما ميز طفولتك؟

أشياء كثيرة، منها الجو الوطني في نابلس..عشته بكل ألوانه منذ طفولتي. شعوري بوالدتي المسالمة المهادنة التي كانت تحمل عبئا كبيرا جدا.. أعباء البيت و 11 شقيقا وشقيقة. أجزم أنها عنوان للمرأة الفاضلة..

ووالدي الذي أحسن تربيتنا. هذه العوامل أثرت في طفولتي وميزتها وما زالت عالقة في الذاكرة.