الإجابة لا تأتي اعتباطاً، بل يجب أن تبنى على معطيات دقيقة ومعلومات موثقة ودراسة شاملة لهيكل المنظومة الصحية الحكومية بما فيها العنصر البشري، قبل أن نحدد ما إذا كان الخطر موجوداً على مستوى الصرح الطبي أم الكوادر البشرية، ولعل المأساة التي حلت على عائلة الطفلة المتوفاة سيرين عناية، عقب إجراء عملية جراحية لها في مستشفى البشير، لم تكن مأساة لأهلها بل مأساة لنا جميعاً، وصدمة عاطفية ضربت نخاع الضمير الحي في الشارع الأردني.

لن أدخل في تفاصيل الإجراءات وإلقاء التهم، ولكن الجميع يعلم أن التزام كثير من كوادر المستشفيات العامة بقسَمه الطبي وضميره الإنساني يتضاءل نتيجة الإهمال النفسي واتخاذ الوظيفة العامة كمصدر دخل، متناسياً أن الطبابة والتمريض والإدارة للمرافق الصحية هي أهم وأكثر وأخطر المهمات الإنسانية والتي تتطلب أقصى درجات الإلتزام والإندفاع لإغاثة الحالات الطارئة والحفاظ على مستوى عال جداً من الاحترافية في التشخيص السريع والتدخل الجراحي لإنقاذ المصابين، ولكن هل هذا ما يحدث عندنا؟

البشير من أكبر المستشفيات الحكومية وهو يخدم ما يزيد على مليوني إنسان يحيطون به أو يراجعونه، وهو يستهلك موازنة مالية ضخمة، وكان مرجعا للكثير من الحالات المصابة والمرضية على مر السنين ولكن اليوم مع التقدم التكنولوجي في الأجهزة الطبية وازدياد أعداد الأطباء في البشير أو غيره من المستشفيات الحكومية، نرى التراجع المخيف للضمير الإنساني والعهد الطبي عند بعض الكوادر الذين لا يهتمون كثيراً لمن لا يملك واسطة.

لو كانت حالة الطفلة المرحومة في مشفى خاص لدفع المشفى ثمناً باهظاً نتيجة الإهمال والتأخير والبيروقراطية المتغلغلة بشرايين القطاع الحكومي، ومع أن مدير مستشفى البشير قام بإحالة القضية للإدعاء العام فإن ذلك لن يعيد الحياة لطفلة كتب الله نهاية أجلها على يد منظومة التهاون والخلط ما بين الحالة الطارئة والحالات العادية، وستمر الحادثة كما سبقها في غير مشفى لا يخضع لقانون المحاسبة الطبية خاصاً كان أم عاماً.

اليوم نحن نواجه أخطر وأكثر التحديات الصحية المترافقة مع التدهور العنيف في الإمكانات المادية لأرباب الأسرّ، فأزيد من ضيق ذات اليد يواجه الغالبية من المواطنين ضيق الخُلق عند الكوادر التمريضية، وحتى يحصل المريض على طبيب كفؤ تزداد الخشية من فقدان المريض، فيما مسلخ المراكز الطبية الخاصة يوجع جيوب الناس غير المؤمنّين صحياً ما يضطرهم الى الوقوف ساعات أو الانتظار أياما ليصلهم دور الكشف الطبي.

لا زلنا نفاخر بصروحنا الطبية، وبإجراءاتنا الصحية خصوصاً في مرحلة وباء كورونا، ولكن هناك خطر أكبر من الوباء وهو التخلي عن أخلاقيات المهنة والتراجع في الإلتزام والواجب الأخلاقي لدى الأجيال التي ستشكل الشعب الجديد مستقبلا لهذا البلد، فإن لم نتدارك الأمر ونعيد هيكلة الأخلاق والارتقاء بها مجدداً ليشعر كل فرد مواطناً كان أم موظفا بأنه مسؤول عن خدمة أي محتاج أو مريض أو فقير، فلن ينفعنا كل هذا التجميل الزائف لصورتنا الباهتة.

Royal430@hotmail.com