لدي جارة, هي سيدة في منتصف العمر.. وتسكن وحيدة, وأظنها أوروبية... حقيقة لا أعرف جنسيتها... تفيق في السابعة والنصف دائما, وتمارس الرياضة.. أشاهدها عبر بلكونة منزلي حين تفتح كامل نوافذها للريح.. ثم تصعد على (التريد ميل).. وتمشي عليه...

بعد ذلك تجلس على البيانو, وتعزف لمدة لا تقل عن ساعة أيضا.. أحيانا تعزف لشوبان وأحيانا لموزارت, وأحيانا تعزف مقطوعات روسية... وأنا أراقب المشهد, هي تحفظ كل ذلك من دون وضع (النوتة)...

منذ ما يقارب الـ (10) سنوات وأنا كل صباح حين أفيق, أجلس على (بلكونتي).. وأشاهدها كانت صبية حين سكنت بالقرب منا، والغريب أنها ما زالت صبية.. ونحن من كبرنا..

أنا أحسب لها الوقت جيدا ساعة وأكثر على (التريد ميل).. بعد ذلك تحتسي عصير البرتقال ثم تبدأ في العزف, وعزفها جميل جدا.. عند اقتراب الساعة من التاسعة قليلا, لا بد أن يأتي فرج..وهو يقود (بكما) أبيض ويشتري خردة, وفرج لديه سماعة مزعجة جدا في البكم... ويصرخ عبرها: (اللي عندو ثلاجات كنبايات غسالات..اثاث للبيع).. لحظتها بالطبع تترك هذه السيدة العزف وتغلق النوافذ, ثم تذهب... لابد لفرج أن يصب علينا وعليها النكد كل صباح.

صرت أعرف فرج وهو يعرفني, وقد أخبرته أكثر من مرة بالإزعاج الذي يتسبب به..لكنه يقول لي في كل مرة: (يا أستاذ بدنا انعيش رزق الأولاد)..

كيف أشرح لفرج, بأن صوته يجعل موسيقى (بيتهوفن) تذبل, كيف أقنعه بأن (موزارت) من قبره يشتكي من كرش فرج, وشوارب فرج, وبكم فرج.. من الصعب أن افسر له الأمر.. فأنا ثلاث لم أجد طريقة, أحاول إفهامه فيها بأن صوت السماعات النشاز في البكم يزعج هذه السيدة, ويعطل عليها تركيزها وانغماس روحها مع الموسيقى... ولكنه (رزق العيال) كما يقول فرج ورزق العيال أهم..

بعد ذلك تغادر منزلها إلى العمل, وأنا حقيقة كنت أتمنى لو كانت هذه السيدة, من عشاق الجميد لأحضرت لها على الأقل.. (رطلين أصلي) من الكرك, ولكني لا أعرف جنسيتها ولا لغتها.. اعرف أنها في الصباح تجعلني أنصت لها وتجعل العصافير هي الأخرى تطوف عند شباك منزلها..

أول أمس وأثناء إجراء لقاء معي عبر «الفيس», سألني صديق: كيف ترى المشهد الأردني؟ أجبته: المشهد الأردني يتلخص في (فرج).. أو على الأقل يشبه (فرج) إلى حد بعيد..

Abdelhadi18@yahoo.com