محمد علي فالح الصمادي

• مقاومة

صديقه الذي جاب العالم وعاش أغرب قصة حب، تزوج زوجةً ثانية، ليست أجمل من زوجته الأولى ولا أكثر مالا ولا حسبا! لكنه بحكم عمله وقضائه وقتا طويلا مع رفيقة العمل، تزوجها... خمسة أطفال وبنت واحدة، وعشرون عاما لم تكن كافية لحياة مستقرة... زوجته الأولى كان يناديها: «ياسمينة القلب"! ما أظلم الرجال.. يأكلون اللحم ويرمون العظم.

قيل إن ياسمينة القلب سكتت عن ظلم أبنائها وغضب زوجها، غيرَ أنها ما تزال تبثُّ حزنها إلى الله منذ ثلاثين سنة.. وكلَّ مرة تسأله في قرارةِ نفسها إن كانت سترى النتائج قبل أن يقبضها إليه، وكانت قد أضمرت أنّها ستؤدّي نذروها كافّة دفعةً واحدةً حينذاك!

• صندوق البريد

تذكّر عبد ربه صندوقَ البريد رقم 82 الذي منحه مفاتيحَ صديقه «منعم» لأنه أصبح غير قادر على دفع خمسة دنانير اشتراكه السنوي... ذهب إلى صندوق البريد، فتحه، تسع رسائل.. واحدة من ضريبة الدخل لدفع مستحقات ضريبية عن الأعوام العشرة السابقة؛ والثانية من الجامعة لدفع أقساط ابنه الأكبر عن عام 2000؛ وثالثة لدفع مستحقات دراسية أثناء الخدمة العسكرية..

وهناك رسائل ذات إطار أحمر وأزرق؛ الأولى من «انتصار».. «لم أكن أدرك أنني سوف أتعلق بك».. «أدوس كل مساء على مشاعري، أجمع من عيوني بحر دموع وأدعو لأهلي أنني مصاب برمد ربيعي ونحن ما زلنا بفصل الخريف.. ماذا أفعل... لمَ فعلت بي كل هذا؟ غدا أتزوج رجلاً غيرك.. لتذهب إلى الجحيم». والثانية من سناء: «أدرك تماما أنك تحب زوجتك وأبناءك ولن تتخلى عنهم لنزوة عابرة... لكن لن أدعك ترتاح, سوف أصل إليهم وأحدثهم عن علاقتك بي... وسأشعل ناراً لن تسكن أبداً، حتى رمادها سيبقى جمرا يحرق كل فرح لك... أقسم أنني لا أعي ما أقول... لكن ?أخرب بيتك».

وفي الرسالة الثالثة: «لك أن تعذرني.. رائحة القهوة ما زالت في حجرات رأسي كأنها الآن.. لم أعد قادرة على نسيان اللحظات الجميلة التي أمضيناها معا في العمل التطوعي.. قلبك الكبير، محبتك للأطفال, عطاؤك الدائم, ابتسامتك, حلمك، غضبك... أشياء لا تنسى... لا عليك, سأكتفي بأن أراك كلما هبت نسائم الشوق وغلبني الحنين... غالبا ما تصل الرسائل متأخرة.. لم أقصد أن أستغل المشاكل التي تعاني منها الآن.. سأكون عونا لك وإن كنت أدرك أني لن أكون الزوجة الثانية... ارم ِسنارتك المتعبة في بحر صداقتي... ولن أتخلى عنك... غدا أغادر خارج ?لبلاد ولن أعود هذا العام»..

رن جرس رسائل الجوال.. رسالة من امرأة اجتازت الخمسين: «يا مجنون.. ماذا فعلت بنفسك وبمن ضحّت معك عمرا.. ارجع إلى صوابك، وعش حياتك مع أصدق امرأة عرفتها... كفاك نزوات تمارسها.. ما أقبحك وأنت تتخلى عنها».. فعلا ما أقبحهُ وهو يتخلّى عنها!

‑• صورة طبق الأصل

كعادته كل صباح ومنذ عام 1979 وهو مولع بقراءة الصحف.. ما زال يقرأ العناوين نفسها... رئيس الوزراء يدعو الشباب للمشاركة الفعالة في الانتخابات... أب يقتل ابنته... إسرائيل تدمر مناطق واسعة من غزة.. حمى كأس العالم تجتاح الوطن العربي... تراجع في أسعار الرحلات السياحية.. ارتفاع في أسعار المشتقات النفطية واللحوم البلدية... أين تسهر هذا المساء؟ قمة عربية في الأول من نيسان... الأمم المتحدة تدعو إسرائيل إلى ضبط النفس... هزة أرضية تضرب إيران... جوائز البنوك تخضع لضريبة الدخل... تعديل قانون الانتخابات البلدية والبرلماني?... حرية الصحافة خط أحمر... حوادث السير تحصد أرواح المواطنين... الجامعة العربية تدين الممارسات الإيرانية والإسرائيلية... نسبة البطالة تقترب من 2%... الأردن ممر وليس مقراً للمخدرات! تغيرات تطال الإعلام الرسمي... لا زيادة ولا ضرائب جديدة... بحث أوجه التعاون بين القطاعين العام والخاص... خطط خمسية للتنمية تركز على تنمية المحافظات والتوزيع العادل لمكاسب التنمية...

لم تتغير الصحف بعناوينها، دوما نجلد ذاتنا بالرغم من تغيُّر كل شيء، ألوان الصحف، أحجامها، عدد صفحاتها، مجالس إدارتها، أسعار الإعلانات... غريب هو حالنا... منذ عام 1979 وحتى اليوم ونحن نكرر العناوين نفسها، لكن بصيغ جديدة وشفافية أكبر... مع ملاحظة تغير مقياس الشفافيّة نفسه.

كاتب أردني