محمد معتصم

ستبقى القصة القصيرة، على مر العصور، سيدةَ نفسها، والمنهلَ الذي تلجأ إلى معينه الأجناس الأخرى، فكثير من الروايات ليست سوى تركيب منسجم ومترابط لعدد من محكيات الأشخاص والشخوص الروائية المتخيلة، ومحكيات الأحداث العامة؛ السياسية والتاريخية والثقافية والمجتمعية، وصيغت كثيرٌ من القصص والمحكيات والمرويات شعرياً، قديماً وحديثاً.

والقصة القصيرة رغم ذلك، تحافظ على جنسها الأدبي ونوعها النصي، أي أنها لا تفرِّطُ في مكوناتها الأساسية التي تميزها عن غيرها من الأجناس الأدبية الكبرى؛ الرواية والمذكرات والرسائل والمقالة والمناظرات والخواطر والمسرحية والشعر. وإن سمحت لنفسها بالتحول والتجدد داخل هذا الجنس، فلا تلتبس مع أقربها إليها (كالرواية، واليوميات، والمذكرات، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً، والقصة الطويلة، والقصة المطولة) ولا تخرج عنهُ لتصبح جنساً آخر، أو نمطاً سردياً فرعياً.

إنها قصة قصيرة جنساً، وسرديةٌ نوعاً. تهتم بالفكرة الموجزة العميقة، وبالحدث القصيرة المفاجئ أو بالأحداث المكثفة، وتتحايل على الزمن السردي بالحذف والطفرة، والانتقال الفجائي، والحل السريع، أو الانفتاح على عوالم أخرى بالإيحاء والإحالة، والتلميح، والمقابلة والتماثل المرآوي، واستدعاء مخزون الذاكرة، ومتوقعات القارئ، واحتياطي الوقائع والأحداث، وتسعفها اللغة القابلة لكل تلك الألاعيب والتقنيات، فقد تكون القصة قصيرة لا تتجاوز خمس صفحات (ما لا يتجاوز ألفي كلمة)، ولكن مُتَخَيَّلَهَا ممتد على أزمنة وعصور وحقبٍ، أو غائرٌ?عميقاً في طبقات النفس البشرية، أو في تداخل العلاقات الإنسانية وصراعات الإنسان الفكرية ونوازعه وميوله الباطنية النفسية والذهنية.

إنّ القصة عالم متكاملٌ، يوافق كل العصور، بما فيها عصرنا الحالي، السريع، المضطرب، المنشغل بأكثر من واجهة في الحياة، ويمكنها أن تقوم بدور العاشق الولهان، وبدور المحارب المصارع من أجل الحق والكرامة، وأن تقوم بدور المجنون الذي يخبط خبطَ عشواء، فيدكّ دون قصد ما يجب دكُّه من شوائب وبقايا الإنسان المتجبر المتسلط وتشيد عوالم من الحرية وتعلي صروحاً تحافظ على كرامة البشرية، كأنها المسؤول عن بقاء الإنسان، ويمكنها أن تجري على رؤوس أقلام كتّابها، كما تجري على ألسنة متحدثيها، وتشارك الإنسان في يومه وسمره، في كل صغيرة وك?يرة، وهي تحكي وتسرد وتنصح وتوجه وترشد وتوبّخ وتؤنّب، وتسخر وتضحك، وتغضب كذلك. إنها في كل مكان، وداخل كل جنس أدبي، كقصص تاريخية، وسياسية، ووعظية، واجتماعية، ومثقفة، وغرامية، وصحافية، وبوليسية، وسينمائية، ومُلْغِزَة. إنها أكثر الأجناس الأدبية حضوراً، حضوراً يومياً، حتى في القصة القصيرة المصورة والإلكترونية والرقمية. فرغم صفة القصر التي تميزها، فهي تحتوي في جبتها كل الأجناس والأنواع.

كثيرةٌ هي القصص القصيرة التي قرأتها على مدى أربعة عقود، وكلها لا تشبه بعضها بعضاً، تلتقي في الحدود القصوى، والمكونات الأساسية، خاصة في خاصية «السرد»، فالقصة القصيرة خطابٌ سرديٌّ بالدرجة الأولى، يحتمل الحوارَ والتقطيعَ المَشْهَدِيَّ كما الاسترسال والتدفق الهادر واللغة الشاعرية، لكن أكثر القصص الناجحة تلك التي لا تدّعي أكثر من «القص»، أي سرد حكاية أشخاص واقعيين أو متخيَّلين أو غير واقعيين (فوق طبيعيين)، أو سرد أحداثٍ ووقائع كبيرة ذات وقع في نفوس وحياة الأفراد والجماعات، أو سرد حكايات متخيلة عن حيوات باطنية ل?ائنات جامدة، أيْ أشياء، أو حول فكرة مهما بدت مهمَلة وغير ذات قيمة، فالقص قادر على خلق حياة جانبية وعميقة لها.

من بين تلك المجموعات القصصية نجد مجموعة «ربيعٌ في عَمَّان» للقاص الأردني جعفر العقيلي (دار فضاءات والصالون الثقافي الأندلسي، عَمَّان، ط.2، 2013)، وقد كُتبت بذكاء قصصي، وبوعيٍ وحساسية ثقافيَّيْن واجتماعيَّيْن.. لغة تصفُ وتحكي باقتصادٍ محسوبٍ لا ترهل فيه ولا تقتير، لغة تقول الشيء كما هو، وإذا عسر على القاص الأمر، لجأ إلى ألفاظٍ محلية، دالّة، قوية الإيحاء، محفزة لذاكرة القارئ اليقظة.. وسردٌ مقتضبٌ، يتدفق سلساً، وفي حال اللجوء إلى الإحالة، أو استدعاء الذاكرة، وحتى في حال الحوار الباطني للنفس المقهورة، لا يزيد ?لك على إثراء السرد ودفعه نحو التقدم إلى النهاية/ الحل، كما هو حال في؛

1. حوار القاص عن حالة تعلُّقه بشَعرَةٍ ناتئةٍ، نفرت عن صوحباتها، فخلقت بذلك ثلاثة عوالم متوازية، دون خلل في السرد أو ترهل وإطناب، لأنّ المحكي الباطني امتص الأحداث التي يشترطها السرد/ الكتابة العادية، التي تُخْبِرُ، وتلك العوالم المتوازية هي: عالم القاص، عالم الشَّعَرة، عالم الزوجة. وفي ذلك الباطن تتصارع وتحتدم النفوس وأفكار الشخصيات الثلاث (قصة «علامة فارقة»).

2. حوار «غازي» مع نفسه، متأملاً ذاته التي رفضت المشاركة في أي تظاهرة أو احتجاج انطلاقاً من فكرة أسكنها نفسه وذهنه، وعززها بمبررات خارجية، كالمرض وهزال الجسد ونحافته، ولكن وجود كائن صغير آخرن ابنه «يحيى»، أضاء في عتمة نفس الأب ضوءاً طردَ كل التوقعات والتبريرات الواهية، وزجّ بها في خضم الجموع. لقد دفع الطفل والده نحو كسر جدار العزلة والخوف والوحدة، إلى مشاركة الناس همومهم التي هي همومه، ليكتشف أنّ له صوتاً كان مكتوماً باطنياً يؤلمه ويعوق تحقق ذاته (قصة «ربيعٌ في عمّان»).

3. حوار «أبو عقاب»، وهي القصة الأكثر تجسيداً لصوت الباطن، واحتدام صراع الإنسان مع نفسه، تحت ضغط محيطه، وتحت ثقل وعتاب زوجته «فضّة»، وتحت تأثير مرافقه «رضوان»، والأدهى والأمرّ، كما يقال، عندما يكون موضوع القصة، العجز الجنسي، وعدم قدرة «أبو عقاب»، افتضاض بكارة زوجته لحاجز نفسيٍّ وخوفٍ وقلة حيلة ودراية، فتحاسبه نفسه بشدة، كلما نظر إلى الديك المزهو بقدراته، أو إلى الحمار في الطريق، أو إلى الثور الفحل للحاج عيسى. تجري أحداث ظاهرية، في السرد، ولكن المحرك الأساس للسرد وخالق انسجامه ومنظم ترابطه، يتمثل في الحوارات?النفسية الباطنية التي تعتمل في نفس وذهن (شرود) شخصية «أبو عقاب» (قصة «انتصار»).

4. حوار الزوج والأب، صاحب سيارة (KIA)، الذي يجد نفسهُ في موقفٍ لم يحسب له حساباً، عندما يقف للمرأة المتشحة بالسواد، في فعل لا إرادي، يبدو في السرد لا إرادياً، فيشتغل «الضمير» في عمله المؤنِّب والمعاتِب والمحاسِب، ماذا تفعل؟ وما ذنب الطفلين وأمهما؟ إنها «الخيانة»، أن تحمل في عربتك امرأة متّشحة بالسواد، تعيش على جسدها لأسباب ذكرَتْها، الأطفال والزوج السجين وقصر ذات اليد، الوجه المظلم في الحياة الاجتماعية.

يشتغل السرد هنا بوقائع ظاهرية، لكنها سطحية أمام قوة الوقائع النفسية والهدير القوي للباطن، ويقظة القيم الأخلاقية والواجبات الاجتماعية، التي تحرك السرد وتدفعه نحو اختيار حلّ مناسب، نسمّيه في النقد «قصدية» القاص، والاختيار القيمي الذي ينحاز إليه ويروم تبليغه وترسيخه في ذهن القارئ ونفسه، ينحاز القاص/ الشخصية إلى العقل والاتزان والحفاظ على البيت واستقراره مقابل طرد وإسكات صوت الرغبة والهوى النفسي، يختار الديمومة على اللحظة العابرة، يختار الوفاء والإخلاص ضداً على الخيانة والنزوة (قصة «وقت مستقطَع").

5. حوار الزوج الداخلي، وهو حوار مناكفة، الذي يقطع به حواره الخارجي مع زوجته الفرحانة بحصولها على رخصة سياقة دون وسيط، وبمجهود وكفاءة ذاتية، وهو ما لا يرتاح له الزوج، والفرحانة لكونها تقود العربة نحو الغابة للمرة الأولى وزوجها إلى جانبها، وهو ما يراه هو في نفسه نوعاً من إثبات الذات، وقد يدفعها لتجاوزه بتجاوزها الاحتياج إليه، فحيازة رخصة سياقة تعني في جوهرها استقلال ذات الزوجة وتحقيق كينونتها.

إنّ ما يعتملُ في نفس الزوج وذهنه هو المحرك الأساس في القصة، وما يعطي القصة قيمتها الفنية والجمالية ويحقق لها وظائفها المعرفية والثقافية، أي تلك اللحظات التي يسرح فيها بذهنه بعيداً، وتلك الفجوات التي يخلقها القاص في السرد، فهي فجوات غير فارغة، بل مليئة بالإيحاء والهواجس التي تستيقظ في ذهن القارئ. إنها في الحقيقة تلك الأفكار والمشاعر المضمرة التي لا تقال مباشرة، والتي من أجلها قامت «التفكيكية»: «ظهر لها أنه لم يعد يستمع إليها. تفهّم ذلك حين عضّ على سبابة يمناه منشغلاً بإلقاء نظرة جانبية، بدت عميقة المعنى» (ق?ة «تذكار»).

6. حوار القاص/ الشخصية مع نفسه، وهو الحوار المهيمن على السرد كما في القصص السابقة، تغطيه أحداث بسيطة مثل وضع دفاتر العناوين وأرقام الدفاتر في درج المكتب، لكن باقي السرد يتعلق بقرار التخلص من «الضيوف ثقال الظل»، وهو حوارٌ بين الشخصية ونفسها، والحوار الثاني وهو كذلك باطني ينشأ بعد تنفيذ قرار إحراق الدفاتر التي تشغل حيزاً من مخيلة وتفكير وذاكرة القاص/ الشخصية.

إذن، هناك حواران يتناوبان باطنياً على السرد ويحققان انسجام المتواليات السردية وترابطها، ويحققان في الآن نفسه متخيَّل لقصة، وعبرهما يرسل القاص رسائله المعرفية والثقافية والقيمية (من القيمة)، الأول ما يتدفق من حوار باطني عن قرار التخلص من «الضيوف ثقال الظل»، وهو حوار حماسيّ؛ والثاني ما يتدفق من حوار باطني بعد الإقدام على تنفيذ القرار وإحراق رموز ومؤشرات وجود «الضيوف»، وهو حوار مأساوي يتفجع ويتوجع على الصور والخيالات الهاربة وسط الدخان الكثيف (قصة «ضيوف ثِقال الظِّل»).

7. حوار «حمدان» مع نفسه، كان سببهُ المراهنة غير المحسوبة والدقيقة على البورصة، والشركات الوهمية المنتشرة عبر الإنترنت وفي الواقع وبمباركة من الحكومة، أو تغافلها للاستفادة من اندفاع المواطنين الطموحين نحو الشعارات الزائفة والإشهارات الدعائية التي تتغذى على الجشع والأهواء النفسية، متناسية في مجرى التيار، الواقع ومنطقه وصرامته ضد الضعفاء من جمهور المواطنين. «حمدان» نموذج لهذه الفئة المُغَرَّرِ بها، التي استهوتها الشعارات والمقدمات الدسمة لكل مُحْتَالٍ يَستدرجُ بها النفوس الطامحة للاغتناء السريع.

إنّ الجلوس إلى المقهى وتصفح الصحيفة ليس سوى ظاهر القصة، الخارجي، الذي يلحم المتواليات السردية، ويقرب بها القاص القارئ نحو التغلغل في المحكي السردي الباطني (النفسي والذهني) للشخصية القصصية المتخيلة، سواء أحالت على الواقع وأحداثه، أو استدعت شخصية أسطورية أو تاريخية أو متخيّلة محض لا صلة لها بالواقع وأحداثه أو بالمرجع الثقافي والسياسي. إنّ جوهر القصة يكمن في ما يحتدم من أفكار وانفعالات وتوترات تقع داخل نفس وذهن «حمدان»، الذي لم يفهم اللعبة وشِراكها إلا بعد فوات الأوان (قصة «قشّة تكفيى»).

8. حوار الساعة الباطني، الذي يسري متخفياً وراء «التكتكة» المسموعة، حوارٌ لا يفطن إليه إلا المتأمل الذي يسير بعكس مسار الساعة، أي أنه يختار البطء والتريث، عكس السرعة واللهاث الذي يقطع الأنفاسَ، وراء ماذا؟ وراء النهاية الحتمية في قبو مظلم أو في سلة مهملات، أو في سوق الخردوات. مصير مأساوي فاجع، تنوب الساعة عن الإنسان المعاصر في سرد مواجعه وفجائعه، منبهة إلى الحالة التي تفرضها الحياة المعاصرة بإيقاعها السريع الذي يهدر كالتيار يجرف كل شيء في طريقه، ولا ينتبه الإنسان المعاصر لخدعة كبرى، تتمثل في أن لهاثه وراء مط?مع الحياة يسلبه الحياة، طعمها، لذتها، ويسلبه حقيقة وجوده. إنه لهاث يسلبه إنسانيته، ويدخله في مضايق الحياة: سلطة المال، سلطة المركز، سلطة التفاخر والتظاهر الاجتماعي، سلطة الهيمنة وإخضاع الآخرين.

الساعة رمز الوقت، رمز الزمن، والوقت كالسيف، والزمن لا يعرف التراجع ولا التوقف، إنه القدر المحتوم. إنه المصدر الأساسي لكل المآسي الوجودية، إنه «الساخر العظيم» الذي يضحك على كل من سواه، وهو يقودهم كالأنعام إلى حتوفهم طواعية (قصة «دُوار: مقاطع من تكتكة»).

***

كانت هذه جولة في حقيقة أن قصص مجموعة جعفر العقيلي «ربيع في عَمَّانَ»، تقدم للقارئ بنية ظاهرية، سطحية، تخاطب المباشر والقريب في ذاكرة القارئ، وتخفي حوارات باطنيةً، هي الجوهر القصصي. وغالباً ما تكون القصص ذات المنحى النفسي أو الباطني (النفسي والذهني)، تشتغل على الأجزاء البسيطة وحتى المهملة، أقول الأشياء، مثال ذلك: الساعة، الصحيفة، المقهى، دفتر العناوين وأرقام الهواتف، الغابة، نزوة طارئة، بقرة عاقر، ثور فحل، ديك ذو همة، وجبة جاهزة، شَعرة نافرة في الحاجب الأيسر.

إنّ الأشياء التي تبدو جامدة، ليست كذلك في عين المبدع ولا المفكر، فالأشياء وإن فقدت الوعي كطاقة حيوية وفاعلة، إلا أنها لا تفتقد إلى الإدراك، وهو إدراكٌ ذاتيّ، فكلّ كائن حيّ عاقل أو غير عاقل، وحتى الجماد، له إدراكه الخاص الذي يناسب طبيعته وكينونته. والقاص يقول ذلك الإدراك في ما يسمى «شخصنة» أو تشخيصاً للفواعل والعوامل غير البشرية (القِوى الفاعل)، وهي محركات للسرد أيضاً.

ولا يمكن الانتهاء من قراءة مجموعة «ربيع في عَمَّانَ» دون الوقوف على التقنيتين المتحكمتين في قصص العقيلي، وهما متوزعتان بالتوازي والتعادل، لا أعرف هل هو تدبير كتابي واعٍ من القاص، أم أنه صدفة «جميلة» وفنية، وهما؛

1. امتناعٌ، ثم انطلاقٌ.

2. اندفاعٌ، ثم امتناعٌ.

في القصص الأربع الأولى (علامة فارقة، ربيع في عمّان، انتصار، وقت مستقطَع)، يبدأ السرد معتمداً على حالة من التوقف والعجز أو حتى الرفض.

ففي قصة «علامة فارقة» يقاوم القاص رغبة زوجته في التخلص من الشعرة النافرة التي تثير غيرتها، لأنها أصبحت تشاركها اهتمام زوجها، والأهم أنها أصبحت «علامة فارقة» تميزه عن غيره، لكن دفاعه المستميت عن حق الشعرة في الحياة والنفور من جماعة القطيع، باءت بالفشل، عندما باغتته زوجته وأنهت حياة الشعرة وقضت على أحلامها وبقائها. هنا الصراع بين الزوج وزوجته والشعرة النافرة. وهو صراع قابل لأبعاد تأويلية متعددة.

وفي «ربيع في عمّان»، يكون «غازي» مستكيناً مطمئناً لفلسفته في الحياة. إنه نحيل له عمل مستقر، ووضعية أسرية اجتماعية مستقرة وهادئة، فعلامَ صداع الرأس والمشاركة في المظاهرات والاحتجاجات! لكنه سيتخلى عن هذا الحاجز الذي بناه جداراً عالياً لأفعاله، عندما يستدرجه ابنه «يحيى» للمشاركة في المظاهرة ولو من بعيد أولاً، ثم ينخرط ويكتشف أن وجوده الحقيقي يكمن في مشاركة الناس همومهم ومطالبهم لأنها مطالبه.

أما المجموعة الثانية، وتتكون من القصص (تذكار، ضيوف ثقال الظل، قشة تكفي، دُوار)، فيبدأ السرد فيها متفائلاً مندفعاً نحو تحقيق رغبة أو هدفٍ، لكنه ينتهي بالفشل، حركة سردية معاكسة لسابقتها. تبدأ قصة «تذكار» مثلاً، بسرور الزوجة وفرحتها الكبيرة بأمور اجتمعت في وقت واحد؛ حصولها على رخصة سياقة السيارة، سيارتها هي الخاصة بها، فرصة زيارة غابة «برقش»، والتقاط صور تذكارية لها ستُنشر ممهورة باسمها (حقّها المعنوي) في مجلة ألمانية، ثم تفرُّغ زوجها، في ما يعني ذلك، مرافقته لها في الرحلة، بعيداً عن الأبناء والروتين اليومي و?سؤوليات البيت، لكنها تصطدم بمنع دخول الغابة في لافتة كُتب عليها «الطريق مغلقة. إنشاءات» (ص66)، وتصطدم فرحتها برخصة السياقة بتجاهل زوجها للأمر. بينما زوجها ذهب للغابة «ذهابَ مودِّعٍ»، لأنه قرأ خبراً يهدد باجتثاث الغابة لفائدة مشاريع عمرانية، إنه جشع المنعشين/ المضاربين العقاريين الذي لا يرأفون بالبيئة ولا بالإنسان ولا بالأحياء البرية، حيوانات وطيوراً ونباتات، لكنه في الأخير ومن الشارع الجانبي، يشعر باليأس والأسى، فيلحّ بطلب التقاط أكبر عدد من الصور التذكارية للغابة، التي ستزول سريعاً أمام أطماع الجشع.

وفي «ضيوف ثقال الظل»، ينتهي اندفاعُ القاص نحو التخلص من أسماء وأرقام هواتف مَن عرفهم إلى مأساة وشعور قوي بالخيانة وعدم الوفاء:» تراجعتُ إلى الوراء لأتبيّن ملامحه التي بدأتْ بالاتضاح شيئاً فشيئاً، فشاهدتُ بأم عيني أشخاصاً أعرفهم، وآخرين لا أعرفهم، وأولئك الذين لا أتذكر أين ومتى وكيف التقيتهم. شاهدتهم جميعاً يتناسلون من الدخان ويحيطون بي، يحاصرونني بأجسادهم الأثيرية من دون رحمةٍ بي أو شفقة عليَّ» (ص74).

إنها حالةُ إعلاء، لقد تحول الاندفاع الفرحان نحو التخلص من «الضيوف»، في نهاية المطاف، كما في النوم، إلى حلم مزعج، كابوسٍ.. تحوّل الفرح والاندفاع إلى نكوص وضيق وتأنيب ضميرٍ، فالتعبير «رأيتُ بِاُمِّ عيني»، ليس رؤية ظَنِّيَّةً،كما تُوهمنا اللغة، ولكنها في الخطاب رؤية حسّية «عينيّة»، لأنّ الخطاب انتقل دون مؤشرات لغوية وقرائن لفظية ظاهرة، من خطاب مجازي (فني جمالي، قصصي) إلى خطاب إخباري، وإقناعي، يريد أن يقنع نفسه أولاً والقارئ ثانياً بأنّ ما حدث ليس وهماً من خيال، بل حقيقة تجلّت لحظةَ شعر القاص/ الشخصية بالمأساة? وخيانة أصدقاء كانوا قريبين منه يملأون دفاتره وجيوبه ودُرْجَ مكتبه.

ستبقى القصة كما سلف الذكر عالماً واسعاً من الدلالات وعالماً منفتحاً على آفاق عديدة من التأويلات، وخطاباً قريباً من الإنسان أولاً ومحيطه ثانياً.

ناقد من المغرب