.. في الطريق من السلط إلى عمان أمس, كان يجلس بجانبي صديقي.. ونستمع لإذاعة محلية مغمورة, لا أعرف اسمها.. ولكن شابا خاويا كان يقدم برنامجا..(تافها).. ويضحك كثيرا ما كان (يتصهون), حاولت جاهدا أن أفهم موضوع الحلقة, لكنها بدون موضوع كانت.. أدخل كل الأشياء ببعضها, وظل يضحك على كل اتصال أو تعليق يأتيه.. ثم يسرد أسماء الأصدقاء, على الهواء.. ومن منهم تناول سندويشة فلافل, ومن منهم يحب (الهمبرغر).. والغريب أن ضحكته كانت هي (الشارة) لبداية الحلقة.

أدرت قرص المذياع فورا, وسمعت مذيعة تسأل: دكتورة سهير.. كيف كانت تجربتك بالنقد وكم ساهم طه حسين في اثرائها؟.. دققت قليلا وأرخيت أذني.. واكتشفت أنها (البي بي سي).. وتبث لقاء قديما مع الراحلة الأديبة المصرية (سهير القلماوي).. كان اللقاء طويلا, وقلت لصاحبي.. عليك بالمسير فقط لا تتوقف لن أغادر السيارة حتى أكمل اللقاء, الجو كان لاهبا وصاحبي لديه سيارة تعطل فيها (المكيف) منذ عام.. ولكن حديث (القلماوي) كان مثل المطر حين يبلل صحراء الروح تماما.

سهير القلماوي, كانت من أهم النقاد في تاريخ الأدب العربي, فهي التي قرأت واطلعت على المدرسة النقدية الشيوعية أو الاشتراكية, التي كانت قاعدتها هي الاقتصاد.. وهي من أسست نظريات مهمة في هذا المجال, منها مثلا تطور القصة وعنصر المكان.. وعرضت الاختلافات بين النص المكتوب, والنص الذي يتحول بفعل التطور إلى مسلسل إذاعي أو تلفزيوني.. عارضت طه حسين, حين ألغت في عملية النقد تاريخ الأديب وحياته الشخصية.. وتعاملت مع ما أنتج.. قد نحتاج أحيانا لألف مجلد حتى نفهم قيمة وعبقرية هذه السيدة في النقد والقصة, والأدب الشعبي.. وربما ?دراجها لمفهوم المحاكاة كان أهم تطور في نظريات النقد.

تعتبر من أهم ما أنتجته الحركة النسوية في مصر, وللآن بعد ما يقارب الـ(24) عاما من وفاتها, ما زالت الإذاعات.. تعيد اللقاءات المسجلة معها, وتعيد قصص معارضتها لطه حسين والعقاد..

لماذا تقدم محطة مثل (البي بي سي) وجبة معرفية دسمة, ولم تقم بالتخلي للآن عن قيمها الإعلامية منذ تأسيسها, بالمقابل تنهار القيم لدينا.. لصالح ما يسمى (الصهونة) و(قلة الحيا).. أنا لا أريد القفز لسهير القلماوي, لكن لو قلنا لهذا المذيع هل تستطيع تخصيص حلقة لمناقشة.. تاريخ عرار أو البدوي الملثم, أو تيسير السبول, أو على الأقل قراءة مجموعة من قصائد تيسير السبول فهل يستطيع.. حتما لا, لأن الإذاعة هي وجبة وعي ومضمون.. هي التطور الأول في التنوير, وهي أيضا مغسلة للعقول الصدئة.. لدينا الصورة مختلفة, فالإعلام المسموع هو و?يلة لبث الجهل.. وتحويل الأثير لمشاكل المطبات, ومشاكل المعونة الإجتماعية.. ونقص الأنسولين.

حين تريد محو الرذيلة, عليك أن تتحالف مع الفضيلة..

مازال لقاء الدكتورة (سهير القلماوي), يتردد صداه في أذني, فهي صورة للمرأة المصرية.. صورة للوعي في الإعلام, ونحن لدينا للأسف نقدم يوميا ألف صورة للجهل والتخلف..

لذلك.. لا تستغرب من شاب يعتقد أن الشرطة هي وسيلة للتسلية.

Abdelhadi18@yahoo.com