يوم دعتني الحكومة البريطانية عام ١٩٨٨للاطلاع على «مستشفى النواة» الذي أضافته حديثاً لنظامها الصحي كانت وزارة الصحة الأردنية، مع الفارق، قد سبقتها منذ سنين ‏في تطبيق الفكرة بإنشاء مستشفى المنطقة المكمّل لعدد من المراكز الصحية ضمن النظام الدائري لتحويل المرضى بينها لكنْ اعجبتني في تلك الزيارة القصيرة خدماتٌ مكمّلة أخرى تقوم بها الحكومة بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني تتمثل في الرعاية الصحية المنزلية لأصحاب الأمراض المزمنة وكبار ‏السن بما يريحهم من عناء التنقل وكذلك لإجراء ولادات طبيعية تحت اشراف طبي في بيئة عائلية حيث الحنان الذي لا يمكن أن توفره المستشفيات، ولقد تذكرت كل ذلك بالتفصيل في العام الماضي عندما شاهدت وزوجتي عن بعد ‏تجربة سيدة إنجليزية صديقة ناهزت المئة عام لكنها بقيت حاضرة الذهن وهي تعيش وحيدة سعيدة في بيتها البعيد عن لندن حين مرضت ونُقلت إلى المستشفى لقضاء ‏الأيام أو الساعات الأخيرة فيه جرياً على الدارج المتبع وربما على غير اقتناع منها بشَغْل سرير قد يكون مريضٌ آخر أجدر به منها فلم تُطق المكوث سوى لوقت قصير عادت بعده إلى الرعاية الحنونة في منزلها والتي تَعرف كمثقفة أن كلفتها على صندوق التأمين الصحي «الوطني» أقل وحيث نعمتْ حقاً بالمودة والألفة بين افراد العائلة وبعضهم فرحتْ بلقائه إثر غياب طويل، إلى أن فارقت الحياة بعدها بسلام وسكينة‏.

تكمن عبرة هذه القصة الشخصية في ضرورة تبني هذا النوع من الرعاية الصحية التي تحترم كرامة الإنسان في شيخوخته ومرضه مقابل المعاناة أو فداحة التكاليف التي يتكبدها المواطن أحيانا حد الحرج فيما لو اضطر لإدخال عزيزة او عزيز عليه إلى أحد المستشفيات الخاصة للمعالجة أو مع الأسف انتظاراً للموت!

في الشهر الماضي ‏كتبتُ عن التجربة التطوعية التي خاضتها» مبادرة وطن» في بداية جائحة كورونا بأكثر من ١٥٠٠ من أبناء المهن الطبية قاموا بعشرات الآلاف من الزيارات للمرضى في بيوتهم لتوصيل الأدوية أو تقديم الخدمات الطبية اللازمة لهم ‏وأثبتوا دون مِنّة او استعراض ان توفير الرعاية الاجتماعية والصحية الأساسية لعامة الناس في ظروفهم الصعبة ممكن وغير مكلف ولا ينبغي التخلي عنه لحساب التمادي ‏في اعتماد السياسة العلاجية في المستشفيات وتهميش الدور الهام للطبيب العام والمراكز الصحية في خدمة الغالبية العظمى من المرضى وليس لعدد محدود من المحظوظين!

وبعد.. ربما يضيق البعض بما اكرر من آراء ‏صحية جذرية يشاركني فيها الكثيرون في مواجهة اقتصاد السوق المنفلت الذي يقتحم هذا الميدان الإنساني لتهميش الإنجازات الكبيرة التي حققها القطاع الصحي العام أو تجييرها لحساب القطاع الصحي الخاص الذي همه الأول الربح! ولعل بعض ما نوصي به خيرا على سبيل المثال لا الحصر (البطاقة البيضاء) التي يحق حتى الان لكل المواطنين الحصول عليها للمعالجة في مراكز ‏ومستشفيات وزارة الصحة بأجور مدعومة وعليهم ألا يفرطوا بها حتى لا تسحقها ‏الاقدام الهمجية بالخصخصة..!