عمان - أمل نصير وفاتن الكوري وشروق العصفور وفرح العلان

حصر الإبداع بعنوان محدد يُفرغه من فضائه الإنساني

ملايين الأفراد دوّنوا يومياتهم تحت ما يسمّى «أدب العزلة»

تجليات الحظْر والمرض انعكست في الكتابات الأدبية الراهنة

الثقافة «الكورونيالية» قد تمثل جامعاً مشتركاً لمبدعي العالم

نصوص غير ناضجة تستند إلى المشاهدات الإعلامية

الأدب الشعبوي يطغى على ما نُشر من كتابات عن الأزمة

تعدّ الكتابة الإبداعية محصلة لتفاعلات المبدع مع محيطه الحياتي والاجتماعي زمانيا ومكانيا من خلال ما يعايشه من تجارب وذكريات وعلاقات متنوعة. فالإبداع ليس تسجيلاً للواقع بقدر ما هو عكس الواقع بصورة فنية.

ولطالما كان الأدب منذ القدم معبّرا عن الواقع الحياتي بأبعاده المختلفة، من خلال تسليطه الضوء على الأحداث المختلفة من حروب وكوارث وأوبئة وأزمات، وهو الأمر الذي يفترض أن جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) التي اجتاحت العالم أجمع، سيكون لها تأثير واضح على الإنتاج الإبداعي -الأدبي والفني- في المستقبل، الذي سيتخذ أشكالاً وصيغاً متعددة وطرقَ تعبير جديدة ومختلفة على الأرجح.

جزء من زمانهم ومكانهم، يتفاعلون مع الأحداث التي تجري في محيطهم وواقعهم، تفاعلا ينبغي أن يأخذ وقته وينضج حتى يخرج من دائرة الآراء الانفعالية والعاطفية والانطباعية وليدة اللحظة، إلى آفاق الأدب والإبداع التي يهدأ فيها الانفعال، ويتحول إلى مزيج من الخبرة والرؤية الناضجة والإلمام بالتفاصيل كافة من معلومات وتجارب حياتية.

ليست جائحة كورونا حدثاً عابرا، ولا وباء محصوراً في بقعة محددة ولزمن قصير، بل إن آثارها تشمل البشرية جمعاء. وبما أن الأوبئة تعدّ منابع خصبة للإبداع منذ القدم، فإن الأدب بشكل عام سيتأثر بالجائحة الكونية، عبر الخوض في أسباب الجائحة، وتأثيراتها، من خلال كتابات الروائيين والشعراء وكتاب القصة والمبدعين بشكل عام، ممن سيتناولون الموضوع كلّ من رؤيته الخاصة.

تبادر «الرأي» لفتح هذا الملف ومحاورة الكتّاب والمبدعين واستطلاع آرائهم حول التساؤلات المطروحة في زمن كورونا، والتي تتعلق بالكتابة والتناول الأدبي للأزمة الراهنة وتأثيراتها الكونية المتعددة، وما إن كانت ستدفع الأدباء للكتابة حولها، بما يؤسس مستقبلا لأدب يسمى «أدب كورونا» أو «الأدب الكورونيالي»، وتأثيرها على المنتج الأدبي بشكل عام.

مئات من النصوص الإبداعيّة أنتجها أدباء من أنحاء العالم عن الأوبئة الكونيّة الكبرى منذ القدم؛ ومن بين هذه الأعمال، رواية «دفتر أحوال عام الطاعون» للكاتب الإنجليزي دانييل ديفو (1722)، ورواية «الرجل الأخير» للروائية ماري شيللي (1826)، ورواية «الموت في البندقية» للروائي الألماني توماس مان (1911)، ورواية «الطاعون» للأديب ألبير كامو (1947)، و«الحب في زمن الكوليرا» للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز (1985. فماذا عن الأدب الذي ستنتجه الجائحة العالميّة الراهنة «كورونا»؟

سماوي: الإبداع يحتاج للنضج

قال وزير الثقافة الأسبق الشاعر جريس سماوي حول تأثير جائحة كورونا في مستقبل الكتابة الإبداعية، إن الإبداع بحاجة الى أن ينضج في داخل اللاوعي لدى الشاعر. مضيفا أن لديه قصيدة طويلة ملحمية كان قد بدأ كتابتها في أواخر عام 2017، وهو الآن منشغل بإتمامها، ومناخات هذا النص تشبه يوم القيامة أو يوم الدينونة، حيث هناك جمعٌ من البشر الخائفين يحاولون النجاة مما يحدث، وهناك هرج ومرج وشخصيات تاريخية يتم استحضارها في النص، وكل منها يحاول أن يصل الى بر الأمان.

وأكد سماوي أنه لم يكن يتوقع أن شيئا مشابها لهذا الذي بدأ كتابته في القصيدة قبل ما يزيد عن سنتين، سيحدث في الواقع.

وحول ما إذا كان يعتقد أنه سيكون هناك أدب يسمى «أدب كورونا»، قال سماوي: «لست أعلم حقيقةً، هذا يتعلق بالآثار التي سنراها لاحقا. بالتأكيد لا بد أن تخرج نتاجات أدبية لها علاقة بهذا الذي يحدث، لكن هل سترقى هذه الكتابات لكي توصف نقديا بأنها (أدب كورونا)؟ ربما، علينا أن ننتظر».

العدوان: الأدب فعل إنساني

من جانبه، رأى مدير المركز الثقافي الملكي السابق الكاتب مفلح العدوان أن أزمة كورونا «جعلتنا نقف محطات تأمل ومراجعة لكثير من المفاهيم على المستوى الشخصي والوطني والكوني والإنساني»، مؤكدا أن «الكتابة والأدب فعل إنساني لا تحدّه موضوعات أو مناسبات معينة».

وأضاف العدوان أنه كتب نصا وحيدا خلال أزمة كورونا بعنوان «ليلة سمر حول سراج الغولة»، حاول فيه من خلال هذه الظروف أن يستحضر مفاهيم تراثية وقصصا شعبية لها علاقة بالانفصال عن الخارج، وبالتباعد المرضي، وكيف أن الحرية التي امتلكها هذا الفيروس صادرت حرية الإنسان والبشر فينا، فصار سجننا في بيوتنا، بينما كل ما في الخارج الذي نحب من دروب وساحات وفضاءات هي بيت له.

وأكد العدوان أن «الأدب هو الأدب»؛ وأن الكتابة لا تتعلق بالمناسبة، ولكنها في حقيقتها وجوهرها تتأثر به ولكن لا تأخذه عنوانا كاملا. فهناك من كتبوا عن الحب في زمن الحرب، وعن الإلحاد في أوقات تصاعد مد الإيمان، لذا فإنه لا يعتقد بوجود أدب سيسمى «أدب كورونا»، مستشهدا بأنه ليس هناك أدب يُنسب إلى الملاريا أو الكوليرا أو الطاعون مثلاًُ.

وأوضح أن هناك أدباً يُكتب في كل مرحلة، ولكن من الصعب حصره، وحصاره بالعناوين والمناسبات والأحداث، ففي ذلك «ادعاء كبير» بحسب تعبيره.

وزاد العدوان: «نحن نكتب في كل الظروف، وإذا حاصرنا الإبداع ضمن عنوان محدد أو مناسبة معينة أو حدث ما، نفرغه من بعده الذاتي وفضائه الإنساني، هناك كتابات مجتزأة ربما، لكن لا أظن أنها في مثل جائحة كورونا يمكن أن ترتقي لتكون عنوانا إبداعيا جامعا كبيرا نضعه تحت عنوان مثل (أدب كورونا)، أو (الرواية الكورونية)، أو (القصيدة الفيروسية) أو (القصة الجائحية)».

غرايبة: أدب مختلف شكلا ومضمونا

قال الكاتب هاشم غرايبة إن جائحة كورونا أثّرت على البشرية جمعاء، ودخلت في كل نواحي الحياة الشخصية للأفراد والعامة للمجتمعات والدول، لذلك ستتأثر الآداب والفنون والنقد بهذه المتغيرات، وسيكون هناك «أدب ما بعد كورونا»، ولن يكون شبيها بما ألفنا؛ «ليس بالضرورة أن يكون أجمل وأعمق، ولكنه سيكون مختلفا شكلا ومضمونا».

وأضاف غرايبة: «لقد تغيرت قراءاتي في زمن كورونا؛ صرت أكثر اهتماما بالكتب العلمية عن العقل البشري والفيزياء والفلسفة وعلم النفس الاجتماعي».

وحول ما إذا دفعته أزمة كورونا إلى الكتابة حولها، أوضح غرايبة «أكتب مشاهدات وملاحظات حول سلوكياتي وسلوكيات الناس، لكني لم أكتب شيئا مهما حول الأزمة في عمقها الإنساني والطبي والاقتصادي. جلّ ما كتبته عن كورونا هو إدراجات على (فيس بوك) وتغريدات على (تويتر)، وإجابة على أسئلة في تحقيقات صحفية».

ولفت غرايبة إلى أن «كورونا» لم تلغ انشغاله بالقراءة والكتابة، مضيفا: «لم أكتب شيئا مهما خلال الشهور الفائتة، فقط أنتبه لزوايا رؤية جديدة، وألتقط التفاصيل وهي تتغير، واستمتع بالقراءة. واحدة من عاداتي البيتية لم تتغير وهي استمرار (نادي الكتاب الصباحي) الذي أتناقش فيه مع زوجتي في كتاب قرأناه. اليوم ناقشنا كتاب (بلاد الأشياء الأخيرة) من تأليف بول أوستر».

النوايسة: إعادة هندسة العالم

من جانبه، أكد الأديب نايف النوايسة أن مرحلة «الكورنا» ستكون حاضرة بوضوح في فضاء الأدب، فهي «ليست أزمة عابرة في منطقة بعينها حتى لا يذهب الظن إلى أن أثرها سيتلاشى بمجرد انتهائها، وإنما هي قضية عالمية إنسانية ألقت ظلالها في كل بيت على وجه الأرض وفي نفوس الصغار والكبار وحولت العالم كله إلى حارة كونية لمواجهة فيروس لا يرحم».

وأضاف النوايسة: «رسخ في ذهني أننا نعيش بعد المواجهة العالمية الرابعة مع الزحف الكوروني، مرحلة وجودية ثقافية جديدة كتبت عنها مقلبة بعنوان (ثقافة ما بعد الكورنة)، على غرار ما كُتب عن الحداثة وما بعد الحداثة، ومرحلة ما بعد العولمة، وقلت فيها: هل أعاد فيروس كورونا هندسة العالم؟ أو بلغة ثقافية: هل يُعيد هذا الفيروس إنتاج البشرية من جديد، بعد مرحلة التوحش بكل إداراتها المتجبرة، ومرحلة الرعب التي أنتجت الظَلَمةَ ووكلاءهم في العالم؟».

وتابع النوايسة بقوله: «قلت أيضاً: ضاق الواقع علينا كلما اقترب الفيروس منا، حتى ألفى الإنسان نفسه بلا واقع، فجنح المبدعون وأصحاب البصيرة إلى الاستشراف، واعتلاء أجنحة الثقة على كفّ الحياة إلى ما وراء هذا العدو الذي لا يرحم ولا يهادن، نعم المثقف وحده هو من يُواجه الحصار الكوروني بإبداعاته الاستثنائية».

وتساءل النوايسة: «هل بوسع المثقف أن يحوّل مصيدة القلق من انتظار للموت إلى فتح آفاق جديدة من الأمل بحياة ممكنة؟ هل يهرب إلى الأمام طالما أن ما خلفه أصبح يباباً؟ وأمام هذا الواقع الذي ضاق، اهتزت قواعد المفاهيم التي نظنها استقرت، والمعايير التي استحكمت، والدول والكيانات التي مللنا وجودها ولا ندري كيف ستنزاح وتغرب أثقالها.. إنه عصر جديد فتح لنا أبوابه هذا الفيروس، وهذه المرحلة تَجُبُّ ما قبلها».

وأشار النوايسة إلى أنه كتب عددا من القصص التي ضمّنها رؤيته في ثقافة ما بعد الكورنة، وكان أبرز ما كتب «المقامة الكورونية».

حوامدة: بلاغة الحدث واضمحلال المخيلة

قال الشاعر موسى حوامدة إن الأحداث حين تكون أبلغ من الواقع، تضمحل المخيلة لكتابتها، مضيفا أننا لا نستطيع أن نحدد الآن ولا نعرف مستقبل الكتابة عمومًا، ومشيرا إلى أن طبيعة البشر على الأرجح لن تتغير نتيجة كارثة أو وباء معين.

وأكد أن أثر الجائحة ربما يظهر في بعض القصائد ولو بشكل غير مباشر أيضا، مستدركا: «أنا ضد كتابة الشعر المناسباتي المباشر، كأن يطلع البعض بقصيدة الكورونا مثلا، ربما سيظهر الأثر في السرد أكثر، ولكن في ما بعد أيضأ، فالحدث ليس عابرا، وسيمتد تأثيره لعقود قادمة».

وحول ما إذا كانت أزمة كورونا دفعته إلى الكتابة حولها، قال حوامدة: «كتبت حولها ولكن ليس بشكل مباشر. فقد شاركت في بعض اللقاءات الصحفية وفي ملفات حول الجائحة».

وأضاف حوامدة: «حيث تكون الأحداث أكثر فانتازيا من الواقع تصبح الكتابة أصعب، الوباء انتشر بسرعة، ووضع العالم أمام تحدّ خطير، وذلك حين انكشف عجز العالم وفشله رغم التقدم التكنولوجي المذهل، وانكشف ضعف الدول التي تتسابق لحرب النجوم أو صناعة أسلحة الدمار، لكنها تعجز عن محاربة فيروس صغير».

وتابع بقوله: «لم ننس القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما وناغازاكي، وتدمير فيتنام وأفغاسنتان والعراق، ورغم لك تعجز مصانع الغرب وشركاته العملاقة عن منع فيروس بسيط من الفتك بالبشر، هنا تتكشف تناقضات الشعارات الزائفة والقيم والعدالة وكارثية الحروب والأطماع، والشر الكامن في البشر، والعنصرية التي تتجلى في الغرب عمومًا وليس في أميركا وحدها، فما أسهل الدمار وما أصعب مواجهة الأمراض الفتاكة أو الجوع والفقر والظلم والاستغلال في العالم».

وأمل حوامدة في أن تعيد الجائحة صورة العالم من جديد، وتدفع صناع الدمار إلى العودة لفطرتهم الإنسانية، والانحياز إلى جانب الخير.

ولفت حوامدة إلى إمكانية ظهور «أدب كورونا»، لكنه «لن يكون ممتعا أو جديدا، خصوصا أن الأوبئة التي مرت على البشر (مثل الطاعون والسل والتيفوئد وحتى الإيدز) لم تنتج الكثير من الآداب، لأن الأحداث حين تكون أبلغ من الواقع، تضمحل المخيلة لكتابتها».

ورأى أن الناس سرعان ما يتناسون الأزمات بعد انقضائها، وأن تأثير «كورونا» لن يكون أهم من الحرب العالمية الثانية مثلاً، أو بمقدار تأثير هزيمة 67 على العرب مثلاً، فقد أنتجت الحرب تحولات كثيرة وعميقة في الثقافة والأدب والفن عموما، وأحدثت تغييرات كبيرة في العالم، لكن في حال الوباء تتشابه الوقائع وتتخذ نمطا واحدا في كل العالم.

ربابعة: الأدب يعبّر عن هواجسنا

قال مدير تحرير مجلة «أفكار» د.يوسف ربابعة إن جائحة «كورونا» كانت سببا في دفعه للتفكير بمفاهيمه وأفكاره، ومثلت فرصة له للتأمل وإنجاز قراءات وأعمال كان يؤجلها بسبب انشغاله في «فوضى الحياة العامة».

وحول ما إذا كانت الجائحة دفعته إلى الكتابة حولها، قال ربابعة: «فكرت كثيرا في الكتابة عن هذه الأزمة، لكنني لم أنجز الكثير، وبقيت الكتابات عبارة عن خواطر وتساؤلات محيرة، ربما لم نستوعب حجم تأثيرها، أو ربما أننا غير مقتنعين بأن هناك تأثيرا خفيا سيصيبنا دون أن ندرك مقدار حجمه.

وأكد ربابعة أن الأدب «تعبير عن هواجس كبيرة وصغيرة، ذاتية وإنسانية، وبخاصة تلك التي تحفر عميقا في الوجدان»، وأضاف: «رغم أنني غير متأكد من توقعاتي، لكنني لا أميل إلى أن هناك تغييرات جذرية ستحصل، لأن المرض رغم قسوته لم يكن حدثا قويا على المستوى الإنساني، فكل ما حصل يمكن استيعابه معنويا وماديا في المستقبل، لكني أعتقد أيضا أن دور المجتمعات سيكون أكبر، وربما تتغير بعض الأولويات في حياتنا، مما يعني أن هناك أدبا سيعبّر عن تلك الحالة، ولا أظن أنه سيمثل ظاهرة كما يتوقع كثيرون».

انعيم: تأثير متوقَّع في المنتج الإبداعي

قال الشاعر والفنان غازي انعيم إن أزمة كورونا دفعته لأن يحفر في تاريخ الأوبئة وبشكل خاص ما رُسم من لوحات حولها، سواء ما تركته من مآس وويلات، أو ما رُسم من ملصقات إرشادية لتوعية الناس. مضيفا أنه كتب عن تاريخ الوباء في الفن التشكيلي.

وبخصوص اللوحات التي رُسمت في أزمة «كورونا»، أكد انعيم أن ما نُشر من إبداعات تشكيلية لا يرقى إلى مستوى الحدث، إذ ركزت مجمل اللوحات على تناول الكمامة لإرشاد الناس للوقاية من الفيروس.. وهذا ينسحب على الملصقات التي تكثر عادة في مثل هذه الأزمات.

وأوضح انعيم أن الأوبئة عبر التاريخ أثّرت في الكثير من الأدباء فتناولوها في إبداعاتهم، ولهذا من المتوقع أن تؤثر «كورونا» في إبداعات هذا الجيل، لكن الأمر بحاجة إلى بعض الوقت. وأضاف: «لن يكون هناك أدب يسمى (أدب كورونا)، مثلما لم يكن هناك أدب يسمى (أدب الطاعون) أو (أدب الكوليرا)».

وأوضح أن الأوبئة حضرت في روايات منها «الحرافيش» للروائي المصري نجيب محفوظ، و«شربة الحاج داوود» للروائي المصري أحمد خالد توفيق، و«البقاء في الأرض» للكاتب الأميركي جورج ستيوارت، و«المحطة الحادية عشرة» للروائية الكندية إيملي سانت جون مانديل، و«الحب في زمن الكوليرا» للروائي الكولومبي غارسيا ماركيز، و«الطاعون» للروائي الفرنسي ألبير كامو، و«العمى» للروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو.

بركات: استفزاز كوروني

قال الكاتب مخلد بركات إن أزمة «كورونا» دفعته إلى الكتابة حولها، وأضاف: «بالطبع، هناك استفزاز كوروني.. كتبت شطحات فلسفية حول هذه الجائحة وكيف نغرت أرواحنا، وعرّتنا أمام شمس الرحيل، نشرت بعضها على مواقع التواصل الاجتماعي، وهناك تفكير بنشرها ضمن كتاب قد أختار له عنوان (سقيفة واطئة، بجانب بيتي)، كما انتهيت من تحرير وتنسيق كتاب ضمن تخصصي في علم النفس، بعنوان «السيكودراما وتطوير السلوك القيادي لدى الأطفال».

وحول ما إذا كان يعتقد بظهور أدب يسمى «أدب كورونا» قال بركات: «العديد من زملائي المبدعين تناولوا هذه الجائحة بكتابات سردية وشعرية منوعة لعل أكثرها قبولا كتابة اليوميات، وهي مؤشرات أن هناك مجموعة كبيرة من الأعمال ستصدر تباعا حول هذه الأزمة الصحية الكونية وتداعياتها على البشر والاقتصاد والحلم».

برجس: كتابات متسرعة

قال الروائي جلال برجس إن أزمة «كورونا» من الطبيعي أن تغري الكاتب بالتطرق إليها، لكن هذا قد يوقع الكاتب بمزالق خطيرة، فالأزمة ليست واضحة حتى الآن، وأي كتابة أدبية عنها ستغدو ضربا من الإشارة لها من بعيد. وأضاف أن هذا السبب هو الذي جعله لم «يتورط» بكتابة رواية تتطرق للجائحة.

وأكد برجس أن الكتابة الحقيقية عن جائحة مثل هذه، هي تلك التي تُكتب بعد عشر سنوات أو أكثر.

وحول ما إذا كان يعتقد أنه سيكون هناك أدب يُنسب إلى «كورونا»، قال: «بالطبع لا»، متسائلا: «هل أنجز الطاعون، أو الكوليرا، أو الإنفلونزا الإسبانية وسواها من أوبئة حصدت آلاف الأرواح، أدبا متخصصا بها؟»، ولفت إلى أن هذه المرحلة ستشهد صدور بعض الروايات التي تتطرق للجائحة، لكنها ستكون كتابات متسرعة تعتمد على المشاهدات الإعلامية حول الأزمة.

المشايخ: الأزمة وظلالها

قالت الكاتبة أمل المشايخ إن ثمّةَ أدباً منْ وحيِ «كورونا» أو الأدبُ الذي يتناول «كورونا» موضوعًا تظهرُ فيه تجليّاتُ الحظرِ والمرضِ؛ فقدْ ظهرَ عددٌ من المقالاتِ والنّصوصِ والقصائدِ إضافةً إلى بعضِ الرّواياتِ التي أعلنَ أصحابُها عنْ اكتمالِها، ورأت في هذا إفرازا طبيعيّا؛ فقد ظهرَ أدبُ «رسائلِ الحبِّ والحربِ»، كما ظهرت رواياتٌ تتناولُ الحربين العالميتين، وثمّة رواياتٌ تناولت الأمراضَ موضوعا ووعاءً منْ مثلِ خالدةِ ماركيز «الحبّ في زمنِ الكوليرا»، وخالدةِ نجيب محفوط «ملحمة الحرافيش» وبطلها (عاشور النّاجي) الذي نجا من الكوليرا التي اجتاحتْ مصرَ في أربعينيّات القرنَ الماضي.

وأكدت المشايخ أن «كورونا» أزمةٌ شغلت العالم، فلا بدّ أن تظهر تجلياتها في الرواية والشّعر والأفلام السّينمائيّة والأعمال الدراميّة أيضًا.

وأشارت المشايخ إلى مقالة كتبتها حول الأزمة جاء فيها: «هلْ ستنتهي الأزمة بعد كورونا؟ أخشى ما نخشاه أنْ يكونَ ما بعدَ الكورونا أصعبَ منها وممّا قبلَها... نريدُ لكورونا أنْ تكونَ نهايةَ الأزماتِ وإكليلَ التّجربةِ الإنسانيّةِ حينَ نضجتْ فاكهةُ الأيامِ؛ لتستويَ خبرةً ودرسا على المدى، نريدُ لأزمةِ كورونا أنْ تكونَ الدّرسَ الأهمَّ والتَّجربةَ الأكثرَ ثراءً؛ فخلالَ أزمةِ كورونا وبعدَها بسنواتٍ لا أعرفُ لها عددا نحنُ أمامَ منعطفٍ تاريخيٍّ كونيٍّ لمْ تشهدْ الأجيالُ الثّلاثةُ أوْ الأربعةُ التي تعيشُ الآنَ لهُ مثيلًا. سترخي هذهِ الأزمةُ بظلالِها -لا بلْ أرختْ بظلالِها فعلًا على صُعِدِ الحياةِ كافّةً.. الصّعدِ التي لا تبدأُ بالاقتصادِ ولا تنتهي بالتّعليمِ.. وحينَ أقولُ (جيل) فأنا أقصدُ ثلاثين عامًا.. لذا فلنردّدْ عندَ كلّ أزمةٍ لنكونَ في فضاءِ الحياةِ الأرحبِ؛ بعيدا عنْ كورونا قريبًا منْ الحبّ».

البواب: أدب الجوائح

قالت الشاعرة هناء البواب ردا على سؤال حول ما إذا كانت أزمة كورونا دفعتها إلى الكتابة حولها: «ما من كاتب يدرك أن الوقت سيفوته دون أن يدون كل تفاصيل حياته إلا ويخاف فوات اللحظة». وأضافت: «كتبت كثيرا بعنوان (أحاسيس معقمة)، فكل شيء حولنا معقم، حتى مشاعرنا أصبحت معقمة وتخلو من الفوضى التي تعودناها ورائحة الأحضان التي نفتقدها، كتبت عن غرفتي التي تعرفت تفاصيلها حين سهرت طويلا أقطع الوقت لئلا أستيقظ باكرا، لأن الصباح بلا عمل وقت مهدور من حياتنا، ولأنني مع الكورونا سمعت أصوات دبيب النمل، وعرفت مهارة الذبابة وهي تطير، واكتشفت إبداع السلحفاة في تباطئها لأنها ليست متعجلة على الموت، كل ذلك دفعني أن أدون مشاعري المعقمة في يوميات ستنشر قريبا».

وحول إمكانية ظهور أدب يسمى «أدب كورونا»، قالت البواب: «بالطبع هناك أدب الجوائح، وكورونا الجائحة التي أشغلت العالم منذ مطلع عام 2020 وحتى منتصفه، وما تزال ولا نعلم إلى متى.. فكل من أدرك وجعه فيها، وتمكن من استطلاع حياته تماما، هو الذي يدرك اليوم أنه متمكن من كتابة يومياته قبل أن تفوته اللحظة، ويفسد شعور العزلة والوجع وقراءة الأعداد التي نتابعها يوميا».

عياصرة: شرارة الكتابة

قال الشاعر خلدون عياصرة إن المفردة ربما تتشكل في ظل الجائحة بأبعاد عاطفية أكثر منها واقعية، وأضاف: «أنت باعتكافك غير الطوعي، تعود للذات حتما، وربما تحاول ترتيب فوضاك الداخلية، وهنا تتجه بوصلة المفردة ربما منطلقة من الجواني الذاتي وتكون هي المفردة الأكثر إنسانية».

وأوضح عياصرة أن شرارة الكتابة في ظل الجائحة ربما ستبدأ عندما يستطيع الخروج من «صدمة الحَجر»، ويتابع بقوله: «لقد تقر الحجْر على عجل دون تمهيد، غافلنا قبل أن نهيئ النفس للانقطاع». مبيناً أن الشرارة تبدأ بعد أن يشكل صورة إبداعية يتقاطع فيها النص مع أثر الجائحة على نفس المبدع، وعلى الذائقة الجمعية للمجتمع، إذ إن الشرارة حالة فعل وتفاعل مع الحدث والمحيط، فكلما كان التأثير مباشراً ويأخذ وقته في الإدراك الذهني يأتي وقت صقل الحالة واندماجها مع مشاعر المبدع ومع جوانيته، وتكون برؤيا قد تصبح وجهة نظر جديدة ومختلفة، وبحجم ما اكتسب من الجائحة سواء كان سلبيا كالألم أو الخوف أو الوحدة، أو إيجابيا كالعودة للذات أو التأمل أو إعادة ترتيب أولويات الحياة.

وأشار عياصرة إلى أن فترة الجائحة شهدت تمدد الإلكتروني الذي جاء كشرفة مطلة على العالم أبقت حالة التفاعل والتواصل، واستطاعت استيعاب الثقافي والأدبي والاجتماعي والعلمي، كأنها رئة تمدّ الناس بالأكسجين رغم أنف «كورونا»، ومن خلالها صارت الثقافة وطنا موحدا للجميع، وأصبح الفعل الثقافي عابرا للحدود، ولكن في الجانب الآخر فإن المواجهة بين المبدع والمتلقي هي كومة مشاعر وأحاسيس وتمنح النص روحا وقلبا، ولقاء المبدع مع جمهوره لا يعدله شيء، فكل ردة فعل على ملامح المتلقي وعينيه هي جرعة حياة في روح النص وفي دم المبدع.

العوادين: أدب إنساني مشترك

أكد الروائي محمد ارفيفان العوادين أن امتداد هذه الجائحة لتطال العالم بأسره، لا بدّ أن يفرز أدباً إنسانياً مشتركاً، فالمبدع إذ يتناول في مدونته الإبداعية، المصابين مثلا، وحكايتهم مع الإصابة، فهو بالتأكيد سيكون قادراً على ضبط النسق العام لحيواتهم، فالذي أصيب في الأردن يحمل الأعراض نفسها التي يحملها آخر في أقصى الدنيا؟

وأضاف العوادين: «إذا ما تحدث المبدع عن الجنود المجهولين، المعروفين بعطائهم وتضحياتهم، فهو يعي أنهم ينهلون من بئر الإنسانية التي يجتمعون عليها في كل العالم، وإذا ما عاين الضغط النفسي الذي عايشته الإنسانية، فإنه بالتأكيد سيرى من كوّة واحدة، هي مفردة الألم، باحثاً من خلالها على نقطة الضوء في آخر النفق، لهذا، ستخرج سرديته الإبداعية من هذه البئر التي سيتفاعل معها الإنسان أينما وُجِد».

وبيّن العوادين أنه لم يتناول الجائحة إبداعياً بعد، فهو ما زال في «طور الرصد» على حد تعبيره، وأضاف: «ما أزال أقف على مسافة واحدة من الأحداث التي تجري، أعبث معها أحياناً، وأتشربها في أحايين كثيرة، أفرّغها سطراً سطراً على ورقي الأبيض، وما زال نهار الرؤية في طور المقابلات والمقاربات، فأنا أقارب أحداثها مع الماضي، وأشخص منازلها، وأؤسس تربتها، ربما ستشكل هذه المقابلات والمقاربات مادة أتكئ عليها في عمل أدبي قادم».

ولفت العوادين إلى أن الجائحة ومفرداتها التي شكلت له بيئة حاضنة للعمل الإبداعي، حملته إلى مزيد من القراءة التي فتحت أمامه الأبواب المغلقة، وأوضحت له مسارب تجربته التي جاءت في عملين روائيين، إضافة إلى أن الجائحة أوقفته على أهمية الصبر والتحدي والمعاينة الحثيثة لنهر الكتابة، وهما عنصران يحتاجهما المبدع أثناء الكتابة.

ورأى العوادين أن الجائحة ساهمت في بث روح التجديد والابتكار على المستويين الثقافي والإبداعي، فلم يعد الأمر مقصورا على القاعات المغلقة في الندوات، فقد ساهمت بعض الهيئات الثقافية في ديمومة الفعل الثقافي، من خلال الأمسيات والمحاضرات التي تبثّها، وهذا بدوره ساهم في تنوّع الجمهور بعد أن كان مقتصراً على الخاصة، فأصبح الآن جمهورا عاماً يتذوق الجمال وهو في عزلته القسرية.

وختم العوادين حديثه بتأكيده على أهمية القاعات المغلقة، ومواجهة الجمهور، ففي هذه المواجهة «يستطيع المبدع أن يلمس الحياة وروحها في عمله الإبداعي».

المجالي: تأملات في زمن الحظْر

قال الكاتب سامر المجالي: «بالنسبة لأدب كورونا، فلا شك أننا سنشاهد أعمالا كثيرة بلغات متعددة تأثرت بكورونا، إما بالحديث عنه مباشرة، أو بربطه بظواهر الوجود بشكل عام، أو بكمونه داخلها دون أن يظهر ظهوراً مباشراً.. وربما يمتدّ الأمر لسنة أو سنتين بعد الجائحة. سوى ذلك لا أتوقع لكورونا تأثيراً في الأدب. أي لا أرى أنه قد يشكل ظاهرة منفصلة، أو مدرسة تطبع تيارات أدبية بطابعها الخاص».

وحول ما إذا كانت الأزمة دفعته إلى الكتابة حولها، قال المجالي: «نعم، كتبت حول كورونا، إذ بالإضافة إلى عشرات الشذرات والفقرات القصيرة، كتبت مقالاً مطولا بعنوان (كورونا والحرب)، وتنبأت فيه بأن الفيروس قد يغير شيئاً جوهرياً في وجدان (الإنسان السياسي) أو (إنسان الدولة القومية) الذي اكتمل نموه في القرن العشرين، فنعود لنرى توازنات جدية في القوى، وربما قادنا ذلك إلى صراعات وحروب جديدة، بعد أن أوشك مفهوم (الحرب الشاملة) على التلاشي».

وأضاف أنه كتب كذلك مقالا بعنوان «يوم كوروني»، سجل فيه مشاهدات يومية خلال فترة الحظر الجزئي، ومقالاً آخر بعنوان «تأملات في زمن حظر التجول» جعله مقالاً ذاتياً، تناول الفترة الأولى من الحظر التي كانت «شاملة وقاسية على الجميع».

خضر: «الحب في زمن الكورونا»

قال الروائي والقاص محمد جميل خضر إن «ذاكرة القلب تمحو كل الذكريات السيئة، وتضخم الذكريات الطيبة، وترفع من قدرات تحمّلنا آلام الماضي ووباء الحاضر وضبابية المستقبل».

وحول ما إذا كانت الأزمة دفعته للكتابة حولها، كشف خضر أنه يعكف على كتابة رواية بعنوان «الحب في زمن الكورونا». مضيفا أن المفارقة في الرواية أنها «خالية من فيروس كورونا؛ هي باقة حب لأهلنا في غزة، حيث الحصار والعدوان الإسرائيلي المتكرر». وأوضح أن روايته هذه تغوص في قصص الناس، تعاين أحلامهم، تتأمل كيف يمضي المحاصرون أيامهم، ويتدبرون أمورهم، ويفرحون ويعشقون، يعزفون على النايات والكمنجات ويحولون الأنفاق إلى أفق حياة».

وحول رأيه بإمكانية ظهور أدب يسمى «أدب ما بعد كورونا»، قال خضر: «لست أشك في ذلك. فهل يعقل أن ما جرى للطليان والإسبان وأهل أووهان وباقي شعوب الأرض لن يحرك أقلام المبدعين؟ في بلدنا وما إن أعلن أصحاب القرار عزل بعض المناطق في إربد، حتى انبرى الشعراء يصدحون بحبهم لعروس الشمال، ويكتبون قصائد تقول للناس هناك إننا معهم، وإنهم ليسوا وحدهم».

وتابع بقوله: «الطاعون الذي ضرب مدينة وهران الجزائرية إبان الاحتلال الإسباني للمدينة في القرن الثامن عشر، حرّض قلم الكاتب الفرنسي ألبير كامو الذي أنجز من وحيه أهم رواياته المسماة (الطاعون). فمدينة أووهان التي انفلت منها الفيروس، تذكرنا بمدينة وهران عند كامو: شوارع مهجورة، وحرارة مفرطة تضرب السكان.. سفن تقفل عائدة، العزل، أكوام من الجثث، الطبيب لي وينليانغ الذي نشر وأذاع التحذيرات والإنذارات.. الطبيب الذي هزت وفاته الصين، تتشابه حالته مع شخصية الدكتور ريو في رواية كامو. لا وجود لمنحى سياسي عند هذا الكاتب الفرنسي العظيم، ولا حتى منحى سوسيولوجي لمدينة وهران، ولا لمزيد من الدراسات حول العلاقات بين الجزائريين والفرنسيين. تبحر وهران مثل شبح في هذا الكتاب الشعري الطافح بالسخرية».

أبو الرب: أدب الأوبئة

أكدت القاصة مجدولين أبو الرب أن المناظر المبثوثة عبر وسائل الإعلام استطاعت أن تثير الإحساس باليأس وأن تبثَّ الخوف والهلع في النفوس، وأن تستفزَّ الكتابة الإبداعيّة عند الأدباء، مضيفة أن ما حصل معها كان مختلفًا بعض الشيء، حيث دفعتها هذه الحال إلى التأمُّل والقراءة أكثر ممّا دفعتها للكتابة.

وحول اعتقادها بظهور أدب يسمى «أدب كورونا»، قالت أبو الرب: «عرفت البشرية على مرّ العصور كوارث طبيعية وأوبئةً، وكان من الطبيعي أن يواكب الأدب الحدث؛ فيُسجِّله ويُوثقه بكل تداعياته. وفي الأدب العربي والعالمي حكايات تناولت موضوع الأوبئة كثيمة مباشرة أو غير مباشرة، وعلى سبيل المثال نقرأ في مقدمة ابن خلدون صفحات فيها وصف دقيق لانتشار مرض الطاعون في عصره، كذلك كتب طه حسين في (الأيام) عن انتشار وباء الكوليرا في مصر، وكتب حنا مينه في (بقايا صور) عن الهواء الأصفر (الكوليرا)».

وأوضحت أبو الرب أن هناك كتابات ظهرت بعد تفشي وباء كورونا وانتشاره السريع، محاولة أن تؤسِّس لنفسها ما يسمّى «أدب كورونا»؛ في محاولة لفهم هذه الظاهرة الجديدة على الرغم من أنَّ تجربة البشر مع هذه الجائحة لم تكتمل بعد، ورأت أنَّ الكتابات في ظلِّ أيّ حدث ليست هي الكتابات المقصودة، حيث ينقصها نضج التجربة وإدراك كنهها، وينقصها عامل التَّراكم الذي يصنع منها نوعا أدبيا قائما بذاته؛ لهذا «ستكون هناك إبداعات حول هذه الجائحة الوبائية وتداعياتها، لكنها ستنضوي تحت مظلة أكبر من حيث التسمية: (أدب الوباء) أو (أدب الأوبئة)».

أبو غنيمة: إنسانية العالم

قالت الكاتبة هدى أبو غنيمة إنها لا تعتقد بأن هناك ما يسمى «أدب كورونا»، لأن الأزمات التي تهز العالم تتطلب تمثلا عميقا وترجيعا نفسيا لآثارها بعد مرورها؛ وإن ظهرت كتابات عنها لا يحق لنا التقليل من شأنها.

وأضافت أبو غنيمة: «لعل أهم الأسئلة التي يتردد صداها في العالم كله: هل سيعود العالم إلى إنسانيته، بعد أن اكتشف هشاشة الحياة في مواجهة فيروس يهدد حياة البشر جميعا على هذا الكوكب الجميل الذي نعيش عليه شرقا وغربا».

طوالبة: التفاعل مع الأزمات

قال الروائي مطر طوالبة إن الكاتب «مرآة الحياة ونبضها»، لذا من الطبيعي بل من الواجب عليه أن يتفاعل مع الأزمات ليقدم وجهة نظر أدبية تجاه الواقع المعاش، ستكون «الشهادة الأعمق من حيث التفاصيل والأحاسيس».

وأضاف: «كتبت بعض الخواطر والقصص القصيرة من وحي الأزمة الراهنة، ونشرتها على مواقع التواصل، وربما سأكتب عن هذه الأزمة يوما ما، خصوصا بعد أن تتوضح صورة هذا الفيروس لدينا أكثر، أمّا الآن فإنني متورط بمشروع كتابة رواية كنت بدأتها قبل أزمة الكورونا».

ودعا طوالبة إلى تدوين يوميات هذه الأزمة بالتفصيل من باب توثيق المرحلة التاريخية وبيان جمالياتها، «كي تعرف الأجيال القادمة التي لم تعش هذه الأزمة كيف مرّت بنّا هذه الأيام بحلوها ومرها».

ورأى أننا سنرى في قادم الأيام أعمالًا ستسمى أدب الكورونا، خصوصًا أن بعض الكتاب اعلنوا عن كتابة روايات واذكر مثلا الكاتب الأردني (مصطفى القرنه) أعلن عن رواية اسمها (هاربون من كورونا) وهناك الكثير من الكتاب الأردنيين والعرب والعالميين ممن بدأوا بأعمال خاصة عن أزمة كورونا. ومن الأمثلة على الأعمال العالمية التي كتبت عن الوباء رواية (الطاعون) للكاتب الفرنسي (ألبير كامو)، نُشرت عام 1947، وتروي قصة طاعون يكتسح مدينة وهران الجزائرية و تطرح عددًا من الأسئلة المتعلقة بطبيعة القدر والحياة. و رواية (العمى) للكاتب البرتغالي (حوزية ساراماجو) وتعتبر من أبرز أعماله الأدبية حيث تتحدث الرواية عن وباء غامض يصيب إحدى المدن، حيث يصاب أهل هده المدينة بالعمى فجأة، مما يخلق موجة من الذعر والفوضى العارمة.

عبد الكريم: أدب جيد وأدب رديء

أكد القاص نبيل عبد الكريم أنه بصرف النظر عن التسمية، سيكون هناك الكثير من الأعمال الأدبية التي ستنعكس فيها تداعيات الأزمة وآثارها من كل النواحي، وسيكون هناك أدب رديء وأدب جيد حول أزمة كورونا، مثلما هو حال الأدب في أي موضوع.

وزاد عبد الكريم بقوله: «الأزمة أكدت رؤيتي للحياة بوصفها شيئا أغرب من الخيال، وأن الآداب والفنون مهما أوغلت في الخيال تظل قاصرة عن الإحاطة بغرابة الواقع، فأي شيء ممكن الحدوث في الزمن القريب».

الدرباشي: تشكيل العلاقة بين الأزمة والإبداع

قالت الكاتبة حليمة الدرباشي إن جائحة كورونا مثلت فرصة للكاتب :الذي يمسك عدسة ويدور في حلقة إهليلجية الشكل باحثا عن موضوع للكتابة، ذاك الذي لا يملك عينا ناقدة، ولا يملك حتّى أن يرى المطمور». وفي الوقت النفسه، «وفرت الجائحة مساحة مستجدّة يجب الكتابة عنها وفيها كي لا تبقى مفرغة من المضمون، المضمون الذي يحدث نقلة، أو بالأحرى صدمة».

وأضافت الدرباشي: «أعدت مؤخرا تشكيل العلاقة بين الأزمة والإبداع بشكل عام، فهل نكتب لنوثّق اللحظة ونواكب الموضة؟ أم نكتب بوعي حقيقي حول ما أحدثته الأزمات بكلّ أشكالها في البشريّة من تبدّل وتغيّر أو حتى نموّ في الوعي الذاتيّ والجمعيّ؟».

وأكدت أن الكتابة حول الأزمة إن لم تكن كتابة مفكّرة متفحّصة ناقدة محلّلة مستشرفة للمستقبل مساهمة في إحداث التغيير؛ «فهي وعدمها واحد».