د. غسان إسماعيل عبد الخالق

ناقد وأكاديمي أردني

على امتداد التاريخ، عبّرت المجتمعات البشرية عن استجاباتها للتحديات بطرق متعددة. وبصرف النظر عما إذا كان التحدي حربا أو زلزالا أو وباء، فقد أصرّت هذه المجتمعات على توثيق ردود أفعالها عبر الرسم أو النُّصب أو الرقص والغناء أو الشعر أو الأسطرة.

وحتى لا نُبعد في التمثيل، يمكننا التنويه بالوقفة الطللية في القصيدة العربية التي امتدت منذ العصر الجاهلي حتى نهاية العصر العثماني. ورغم أنها غدت بمرور الزمن ضربا من ضروب تحصيل الحاصل شعريا، إلا أن الناقد الحضاري الحصيف لا يسعه إلا أن يلحظ العلاقة الوطيدة بين مأساة الانقلاب المناخي الذي أحال الجزيرة العربية إلى صحراء قاحلة بعد أن كانت جنة وارفة... وبين متوالية التفجّع والنحيب على اندثار المنازل وارتحال الأحبّة.

لقد توالت هذه الاستجابة النوعية للتحديات في الثقافة العربية بعد ذلك؛ فنشطت الحركة العلمية بعد اجتياح بغداد على أيدي المغول للتعويض عما خسرته حاضرة الخلافة الإسلامية من آلاف الكتب، كما نشطت قبل ذلك حركة التأليف الموسوعي ردا على الاجتياح الصليبي لبلاد الشام وما واكبه من مجاعات وأمراض ومِحَن ضربت أرجاء العالم العربي والإسلامي، إلى درجة يمكنني الزعم معها بأن مقدمة ابن خلدون ما كان لها أن ترى النور لولا الطاعون الجارف الذي محا كثيرا من ملامح العمران في المغرب العربي.

أما على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط، فإن استجابات المجتمعات الأوروبية لكل ضروب الكوارث أكثر من أن تحصى؛ حيث خلّدت هذه المجتمعات ردود أفعالها تجاه الحروب والكوارث الطبيعية والأمراض، عبر الرسم والشعر والأغاني والأساطير، وصولا إلى القصص والروايات والطروحات الفلسفية المثالية أو المادية أو العدمية.

ويكفينا على هذا الصعيد التنويه بما أطلعته الحرب العالمية الأولى، من تيارات فنية وأدبية وفلسفية، تأكيدا لانهيار الثقة بمشروع الحداثة العقلانية، لأن هذه الحرب أظهرت توحش المجتمعات الأوروبية وافتقارها إلى الأخلاق رغم ادعائها العكس من ذلك؛ فكان أن تعالت الفلسفة الظاهراتية على أنقاض الحتميات اليقينية التي دشنها نيوتن، إلى درجة خيّل معها للإنسان الأوروبي أن العالم ليس إلا مقدمات منطقية تقود بالضرورة إلى نتائج بديهية. لكن الحرب بددت كل هذه الأوهام، وأكدت أن نظرية الفوضى هي العنوان الأبرز للمجتمعات الغربية.

وإذا كانت الحرب العالمية الأولى، قد خلّفت كثيرا من الجراح في غير قليل من بقاع الوطن العربي، فإن الحرب العالمية الثانية وما رافقها من كوارث وأمراض ومجاعات، قد أفرزت أيضا العديد من المدارس الفنية والأدبية والفلسفية، وبوجه خاص النزعة الوجودية التي لم تقتصر على الأدب في أوروبا وأميركا فقط، بل طالت أيضا الأدب العربي، وتظاهرت أكثر ما تظاهرت في العديد من أعمال عملاق الرواية العربية نجيب محفوظ الذي عبر بطريقته الخاصة، عما عبر عنه ألبير كامو وجان بول سارتر وآرنست همنغواي.

ورغم أن جائحة كورونا لم يمض على انتشارها إلا بضعة شهور، إلا أن تكنولوجيات الاتصال والتواصل عن بعد، تكفّلت بتسريع بروز العديد من أنماط الاستجابة الأدبية أو الفنية أو الفكرية. ولعل اندفاع عشرات الملايين من الأفراد العاديين إلى تدوين يومياتهم وتجاربهم الشخصية تحت وطأة الاحتجاز المنزلي الطوعي أو القسري، يمثل أبرز ملامح أدب أو أدبيات كورونا، وهو ملمح شعبوي عام، نظرا لأن غالبية ممارسيه أشخاص عاديون وليسوا كتّابا محترفين، فضلا عن أن هذا الأدب ينطوي على خصائص محلية فارقة، خلافا لما أفرزته الجائحة من نمط عالمي على صعيد الرسم في المقام الأول؛ فقلّة أعداد الرسامين في كل مجتمع واضطرارهم لتكثيف وتوحيد لغتهم التعبيرية حتى تتصادى مع رموز الجائحة ودلالاتها على مستوى العالم، جعل الفن أكثر تأهلا للالتحاق بمفهوم الثقافة الكورونيالية التي تمثل على صعيد الهواجس الكونية، الجامع المشترك لكل الأدباء والفنانين والفلاسفة في العالم.

وإذا كان ما تقدم يقتضي منا ضرورة التمييز بين السياق الشعبوي العام لأدب كورونا والسياق الكوني الخاص للأدب الكورونيالي من جهة، وضرورة الإقرار بأن الوقت ما زال مبكّرا للحديث عن أعمال أدبية كورونيالية هي الآن قيد الكتابة أو الطبع والتنقيح غالبا من جهة ثانية، فإن الموضوعية تدعونا أيضا، للتنويه بردود أفعال بعض المثقفين المناوئين لتوثيق جائحة كورونا، أدبيا أو فنيا أو فكريا لأسباب مختلفة؛ فمنهم من ينكر حقيقة وجود الجائحة ويقطع بأنها ليست أكثر من حلقة في مسلسل المؤامرة على الشعوب! ومنهم من يعترف بوجودها لكنه يعتقد بأنها أبسط من أن تكون موضوعا أدبيا أو فنيا أو فكريا! ومنهم من يعتقد أن الانسياق مع تيار الكتابة عن كورونا، من منظور محلي شعبوي أو من منظور عالمي نخبوي، ما هو إلا ترسيخ لنمط تفكير استعماري جديد، وعلى نحو يذكرنا بتحفظّات بعض المثقفين العرب على الإسهام في الكتابة عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أو أحداث «الربيع العربي»، بدعوى أن هذا الإسهام الكتابي من شأنه تأكيد ما يراد لنا أن ننجرّ إليه أو نسقط فيه!