في الغالب تكشف عملية القبول الموحد للجامعات الحكومية عن وجود إشكالية في أحدى أهم المهارات التي يفترض أن تُعنى بها مرحلة التعليم المدرسي وهي تنمية القدرة على اتخاذ القرار الصائب، ويتضح ذلك من خلال ظاهرة إساءة الاختيار وعدم قدرة طلبة الثانوية على اتخاذ القرار المناسب بخصوص التخصص الجامعي من بين العدد الهائل من التخصصات المتاحة مما يولد حالة من الارتباك والفوضى في بداية مرحلة مهمة في حياة الطالب يفترض أن تكون مرحلة تتصف بالنظام والتخطيط السليم.

إنّ التنوع في صنوف المعرفة وتعدد مجالاتها ينعكس بشكل واضح على التخصصات الأكاديمية في التعليم الجامعي، لذلك نشهد اليوم استحداث تخصصات جامعية بفعل ظهور مجالات معرفية جديدة أو نتيجة لدمج حقول معرفية مترابطة، الشيء الذي يدفع نحو ضرورة إتقان الطلبة في نهاية المرحلة المدرسية مهارة اتخاذ القرار والقدرة على اختيار التخصص المناسب من بين الطيف الواسع من التخصصات الأكاديمية التي تقدمها الجامعات، فاختيار التخصص الجامعي من القرارات المصيرية التي يتخذها الطلبة الذين أنهوا الثانوية العامة بنجاح، حيث يترتب على هذا القرار مساراتهم في الحياة وفرص التميز والنجاح في معظم مواقف المستقبل الذي ينتظرهم، إلا أن تعدد التخصصات الجامعية إضافة لارتباط هذه العملية بعناصر ضاغطة على عملية الاختيار كالرغبة الذاتية للطالب ورغبة الأهل وسوق العمل عدا عن معدلات التنافس لكل تخصص تجعل الطالب يعيش مرحلة مربكة ومحيرة.

لذلك يستخدم الكثير من الطلبة أثناء اختيار التخصص الجامعي أساليب وطرقا لا تنم عن قدرة على اتخاذ القرار السليم، فيلجأ البعض للحصول على معلومات من أشخاص غير مؤهلين لتقديم المعلومة الصحيحة حول طبيعة التخصص وفرص العمل المتوفرة، أو ينساق البعض وراء اختيار جماعي لمجموعة من الرفاق، في حين نلحظ إصرار أصحاب المعدلات المرتفعة على دراسة تخصصات الطب والهندسة بغض النظر عن ميولهم واهتماماتهم، فيما ترضخ نسبة كبيرة من الطلبة تحت وطأة المعدلات المنخفضة لاختيار تخصصات لا يرغبونها، والأجدى في زمن التميز والإبداع والحلول الفريدة أن يختار طلبتنا تخصصات أكاديمية ومجالات معرفية تحاكي قدراتهم وتنسجم وميولهم واتجاهاتهم بحيث تتيح لهم هذه التخصصات فر ص الإبداع والابتكار والتميز وتزيد من قدرتهم على الإمساك بزمام المعرفة والمهارات التي يوفرها أي من التخصصات الجامعية مما ينعكس إيجاباً على المخرجات التعليمية للجامعات والمؤسسات الأكاديمية.

إن اتخاذ القرار الصائب في أي موقف من مواقف الحياة المختلفة يتطلب الاختيار الواعي من بين البدائل المتاحة بعد دراسة النتائج المترتبة على كل بديل وأثرها على الأهداف المطلوب تحقيقها، وتبرز أهمية هذه المهارة في حياة الفرد عند مواجهة مواقف مصيرية في حياته كاختيار التخصص الجامعي أو نوع العمل أو الوظيفة أو غيرها من القرارات المهمة في مجالات الحياة المختلفة، كما تعود هذه المهارة بفائدة كبيرة على المجتمع ككل تتمثل في أن يتكيف أفراده مع مستجدات الحياة المعاصرة وأن يكونوا مؤثرين في مسيرة التقدم البشري لا متأثرين وتابعين لإملاءات وقرارات الآخرين.

وعلى اعتبار أن حياة الإنسان مجموعة من القرارات، وأن مسيرته في الحياة تتأثر بالكيفية التي يتخذ وفقها قراراته المختلفة، فهل يكتسب طلبتنا في جميع مراحل التعليم المختلفة مهارة صنع القرار الصائب والسليم، وهل يعي التربويون والأكاديميون أن إكساب هذا الجيل مهارة اتخاذ القرار بات في غاية الأهمية في وقت يزخر بالتحديات والمستجدات، وذلك بتسلحيهم بوسائل وأساليب واستراتيجيات تجعلهم قادرين على مواجهة التحديات المتعددة.

يؤكد علماء التربية والمختصون أن مهارة اتخاذ القرار تتطلب في المرحلة الأولى معرفة وفيرة بالفكرة أو القضية المراد اتخاذ قرار بشأنها، وقدرة على الحصول على المعلومة من مصادرها الصحيحة، كما تتطلب عملية تدريب الأفراد على اتخاذ القرار السليم وجود أنظمة تعليمية فاعلة تعمل على بناء شخصية ناضجة للفرد تحركها فلسفة وفكر يعتبر منظومة من المعايير التي تحكم عملية اتخاذ القرار، وفي هذا الإطار تتشكل علاقة وثيقة بين القدرة على اتخاذ القرار ومهارات التفكير الناقد حيث ان النتيجة النهائية لعملية التفكير الناقد هي اتخاذ القرار السليم والمناسب إزاء فكرة أو موقف ما.

Rsaaie.mohmed@gmail.com