حسين مقبل

جئتكِ متأخراً

لكني جئتكِ حاملاً خلاصة الأشياء لديّ

خلاصة الحب الذي تعاقبت عليه المُدن،

والحبيبات،

والنديمات،

والغانيات الحسان.

الحب الذي تقاسمته السنوات، والنساء،

والأمواج، والريح.

الحب الذي كشطتهُ الأوجاع،

وصَقلتهُ الأُمْسيات بدياجيرها الغامضة،

وشذّبتهُ الأيام بشموسها الدافئة...

ليصل إليكِ مهذّباً لامعاً مكشوف صدؤُهُ.

جئتكِ

بخلاصة روحٍ مجهولة...

روح خُلقت من حنان الأمهات،

وشهوة الإغواء،

ومعجزات الغبار،

وعذوبة الأغاني..

روح صلبة،

مغامرة...

تاهت طويلاً،

ثم اهتدت إليك.

روح عنيدة

ككاتدرائية عتيقة

تجاوزت مذابح التاريخ،

بحرائقه، وكوارثه،

وحروبه،

وعذاباته السوداوية،

ظلت شامخة

شاهدة على ماضٍ لن يعود...

تتذكره بسخرية.

وحاضرٍ يحمل وجوه القادم المدهش

المليء بالحياة...

روح

متخفّفة من السنوات،

والتواريخ، والأمكنة، والشخوص.

روح

عارية من رتابة الأبدية،

واهتراءات الحب الطائش.

جئتك بها

لتبدأ معك ميلادها الأزلي.

جئتك بقلبٍ

كأنه لم يكن قبل الآن قلبي،

بل كأني كنت أعيش بدونه

فقد اقتصر عمله ليغدو آلة ديناميكية

تعمل على توزيع الدم،

يجهل كينونته وغاية وجوده،

وجوهر عمله...

جئتكِ بقلبٍ لا أعرفه

فانشغاله الدائم عني

جعل فرصة تكوين علاقة معه مستحيلة،

وغير ممكنة...

جئتك بهِ

ها أنذا أقذفه بين يديك بتاريخه الطويل،

وعمره المُضنى بهشاشته ومواجعه.

قلب لم يُستخدم بعد استخداماً صحيحاً...

تستطيعين تشكيله على النحو الذي تريديه

ولا شيء أكثر من ذلك...

تأخرتُ عنك كثيراً

لأني كنت أجهل أشياء كثيرة

كنتُ أجهل الأُفق

وما وراءه،

كانت العوالم التي تخبطتُ فيها طويلاً

هي كل شيء في هذا الكون،

لهذا لم أفطن أن هناك عوالم آخرى خاصة بغيرنا...

عوالم جميلة تتربع خلف كل تلك الهضاب اليابسة

والجلفة...

كنتُ أجهل السُّبل

والحيَل، وأفتقر لفهم الواقع كما ينبغي،

والعلاقة بين وجودي والطاقة التي كانت تولَد بي

مع كل صدمة في عالمنا البشري الكارثي

كأسلوبٍ يُعرف في علم الحروب

بـ «ضبط النفس»..

هذا العلم الذي أصبحتُ ضليعاً به خلال فترة وجيزة في عالمنا...

الآن فقط أدركتُ

أن تلك الطاقة كانت مجرد طريقة من طرقي المبتكرة للنسيان..

كنت أدعي معرفة كل شيء

الآن أعترف أني كنت أجهل كل شيء

طالما كنتُ أجهلك،

فأنتِ كل شيء

كل شيء..

جئتكِ بي

بهزائمي،

وانتصاراتي،

وبشيخوخة خرائط الأوطان الهزيلة،

التي عشتُ فيها دونك...

جئتكِ

مصطحباً ماضياً خصماً

لتكوني بيني وبينه حكماً عدلاً

فلتنصفيني،

وتأخذي سنواتي منه،

جئتكِ بي

وأنا على يقينٍ

بأن يوماً واحداً في عالمكِ

يعادل ما مضى من عمر بعيداً عنكِ

شاعر يمني