سونا بدير

كان الأمر أشبه بمهرجان، العائلة تتحلّق حول المائدة أو المدفأة، أصواتهم تتنازع الفضاء وتتقاطع محدثة جلبة لم يعتدها الجيران ولا الجدران، حتى العائلة نفسها بدا لها الحجر وقتا مستقطعا من العمر، تركوا هواتفهم المحمولة جانبا وعادوا لتشارك شاشة التلفاز، لم يكن ذلك ممكنا قبل أسبوع، فلكلٍّ منهم ما يرغب بمشاهدته، وفي العادة تنتهي جلسة مثل هذه باقتتال على (الريموت) أو تنفّض ليذهب كلّ واحد إلى سريره وفي يده هاتفه المحمول.

الآن صار الوضع مختلفا.. كل القنوات تتحدث عن شيء واحد، وكل أفراد العائلة يرغبون بمشاهدة آخر تتطوات المرض.. كانوا يتعاملون مع فيروس كورونا والحجْر وعدد الإصابات كما يتعامل الناس مع مواسم الحج ورمضان وسقوط الثلج.. كلها موضوعات قادرة على جمع العائلة على شاشة واحدة، لكن هذه المرة أكثر صخبا، فهو حدث جديد وعالمي، وأخباره لا تكف عن الانهمار على وسائل الاتصال والإعلام.

حتى محمد بدا أكثر انسجاما مع عائلته، فهو سعيد بهذه الجلسات الغريبة التي تذكره بجلسات رجال الكهف حول النار، فهو دائما يستذكر بحنين هذه الصورة وكم تمنى أن يخلق بها رجلا يرتدي القليل من القطع يعود من الصيد ويجلس بجانب النار التي أشعلتها زوجته فتحوطه العائلة كما تحوط النار وآذانهم عطشى لما سيرويه عما يعرف ولا يعرف من حكايا الصيد.. هذه الصورة لم تكن متاحة، فالعائلة اليوم يصطادها التلفاز والهاتف وعشرات مواقع التواصل التي يعلم ولا يعلم عنها شيئا.

يجلس في مقعده المعتاد متوسدا يده مقلبا بين الفضائيات دون أن يسمع تأففاً أو تململاً، فالكل يرغب بمشاهدة كل شيء يُعرض، وكأن الفيروس غدا صوتا يصدح في الكون، بل غدا صوت الكون الذي نسمعه جميعا، تتحلق العائلة في أيام الحجر الأولى، ولكن بعد مرور الأسبوع الأول بدا بعضهم يمل، وقد بدأ ابنه الأكبر زكريا بالتسلل كثيرا من هذه الجلسة العائلية التي بدت طارئة، ثم صار الجميع يستشعر طولها.. كان الأب يعرف أن زكريا صعد إلى سطح المنزل، فرائحة الدخان لمن جربه تصل سريعا، في حالات أخرى كان سيبدي غضبه ويملأ صوته المكان؛ ألا يستحي ?بنه البكر من تدنيس البيت برائحة الدخان وأبوه موجود.. أيّ جيل هذاّ ولكن في فترة الحجر صار الأب يغضّ البصر عن تصرفات ابنه المشينة، فهو يعلم جيدا أن سوسة التدخين لن تزول بسهولة، وأن ابنه رغم توقيره له يقْدم على مثل هذا العمل لاستحالة خروجه من المنزل بحجة إلقاء النفايات أو شراء علبة لبن كما اعتاد قبل الحجر.. ماذا سيفعل إذن هذا الشاب سوى الصعود إلى السطح والتدخين..

يشتمّ محمد رائحةَ الدخان المنسلة عبر النافذة، ويعود بذاكرته إلى بداية مراهقة ابنه زكريا، كان قلبه يحدثه دائما بخطورة انجرار ابنه للتدخين، لذلك كان يفتشه ويفتش حقيبته وجواريره، ولكن دون جدوى، فهو لا يجد شيئا سوى الرائحة التي يصعب على طفل مثل زكريا اخفاءها بعطره المركب بدينار من دكان قرب المدرسة، فالعطر مغشوش يطاير سريعا لتبقى رائحة الدخان تثير الرعب في رأس أبيه.

ومع الوقت توصل محمد إلى هدنة مع زكريا أو اتفاقية غير معلنة، سيتظاهر محمد بعدم معرفته بتدخين ولده، وسيتظاهر زكريا بخوفه من محمد.. هكذا سوّى رجلا البيت خلافهما أمام الأم والأخوات، وكان محمد يخفف هواجسه بتذكير نفسه أنه كان مدحنا شرسا قبل عشر سنوات، فقد دخن منذ بلوغه الخامسة عشرة ولم تفلح محاولات والده الكثيرة بمنعه من التدخين، وهو قادر على تعداد الكثير من الأسباب التي ساهمت بهدايته لترك التدخين، ولا ينكر فضل دعاء أمه له بالهداية ويظنّ أن دعاءها أكبر أسباب توفيقه وإنْ أجّل قراره حتى أوشك أن يصل إلى سن الأربعين?.

نعم فقد ترك التدخين وقد قارب أربعين عاما.. وفي هذا السن تظهر معادن الرجال.. وهو يظن أن معدنه الخيّر قاده أيضا لترك التدخين، ناهيك عن السبب المادي، فقد صار أبا لثلاثة من الأبناء؛ زكريا ولده البكر، ودينا ابنته الكبرى، وآخر العنقود لمى.. وهذا يفرض عليه الاقتصاد في الإنفاق، فهذه الأفواه الثلاثة معولة منه، وثمن علبة الدخان ثلاثة دنانير، والأبناء أولى بها.. وتزامن ذلك مع موت صديقه المقرب بسرطان الرئة، وقد رآه بأم عينه وهو يتقيأ الدم، وقد كان صديقه مدخنا شرها مثله.. لم يخطر ببال محمد السبب الحقيقي لتركه للدخان، ف?ي الفترة التي ترك فيها التدخين كان يستعد لترك بيت والده الذي سكنه وعائلته بعد أن أوشك بيته الخاص على الانتهاء.. إذن صار قادرا على الخروج من عباءة والده الذي لم يكن التدخين إلا محاولة للتمرد عليه، ولكن الآن هو غير مجبر على فرض رجولته وذاته، فهو خارج بيت والده، لذلك وجد نفسه يترك التدخين ويبحث عن أسباب أخرى يرويها للناس بوعي منه أو بلا وعي، لذلك فإنه يعلم أن ابنه زكريا سيترك التدخين عاجلا أو آجلا، فيعزي نفسه قائلا: «وقت ويمضي».

أما دنيا ابنته الكبرى، ففي نهاية الأسبوع الأول من الحجر بدأت تبدي مللها من التقارير الصحفية والنسب المعروضة للمرضى والموتى، لذلك أعدّت لنفسها قائمة بالأفلام والمسلسلات التي ستملأ وقتها بمشاهدتها على هاتفها الخاص، ولم تعد تخرج كثيرا من سريرها.

أما آخر عنقوده فهو لا يعلم عنها شيئا، لم تصرح لأحد بخطتها، هي صموتة بطبعها أو هكذا يصفها رغم أنه سمعها تتحدث بحماسة غير مرة على الهاتف مع صاحباتها، صار يشتاق لصوتها ويتلصص عليه في أحيان كثيرة وهي تحادث غيره، لكنها الآن وفي نهاية الأسبوع الأول صارت تتسرب إلى الداخل فلا يعلم أحد ماذا تفعل. حتى زوجته التي فرحت بحضور أبنائها الدائم في البيت بداية الحظر، وبمساعدة بناتها لها في أعمال المنزل، وجدت نفسها تنهي أعمالها المنزلية بسرعة، فقد اقتسمت البنتان أعمال المنزل وتركتا لأمهما إعداد الطعام.. في البداية بدا لها ذل? مريحا، أما الان صارت تجد الوقت طويلا.. ماذا تفعل بنهارها الذي اعتادت ملأه بالتنقل بين المطبخ والغرف والحمامات تمسح هنا وتكنس هناك.. الآن دنيا ولمى لم تتركا لها شيئا لتملأ به هذا الوقت الفائض، فتجد نفسها تجلس بجانب محمد وحيدين صامتين ومصغيين للتلفاز الذي لا يكف عن الكلام.

وبين اليوم والآخر تعدّ الزوجة كعكة أو بسكويتا منزليا، فتشد الرائحة الأبناء للخروج من جحورهم إلى الصالة، لكن ذلك لا يطول، إذ يعود كل إلى شأنه.

قرر محمد أن يشغل نفسه، فقد ملّ من التثاؤب في غرفة الجلوس وحيدا أو مع زوجه التي لا تكلمه إلا شذرا، يخرج إلى ساحة المنزل فيقلم الأشجار ويهذب الأغصان ويقلب التربة ولا يعود إلا بعد أن يبلله العرق وسط هذا البرد القارس.. يرجع إلى مكانه ويقلب قنوات التلفاز ثم يذهب لينام، فيسمع صوت غرفة الجلوس تغص بالضحكات المكتومة والحكايا المقطوعة، حتى إنه يسمع صوت لمى أحيانا، ومع تكرار ذلك صار يتعمد العودة للفراش باكرا، فيتكور على طرف السرير، ويستذكر رائحة كعك أمه الميتة ببكاء مكتوم.

كاتبة أردنية