مرةً تلوَ مرة دأبتُ على تأجيل «الكتابة» لتوضيح رأيي في المؤسسة العامة للغذاء والدواء منذ العام ١٩٩٣حين اقترحها البعض مستقلةً عن وزارة الصحة لدرء الخطر المهدِّد لصحة المواطنين بعد فضيحة الفساد الكبرى في أغذيتنا المستوردة التي فجَّرها وزير الصحة يوم ذاك الدكتور عبد الرحيم ملحس وسمَّى تلك الاغذية نفايات العالم، وفي شهادتي كوزير سابق للصحة أمام اللجنة البرلمانية للتحقيق فيها سألني النائب السيد عبد الرؤوف الروابدة- وهو أيضا وزير صحة سابق -إذا كان قانون الصحة العامة بما يحتويه من صلاحيات وإجراءات وعقوبات كافياً للتصدي لمثل هذه القضايا أجبت بنعم وأضفت في مجالس وندوات لاحقة بألا ضرورة لجهاز بيروقراطي آخر مستقل عن الوزارة بل يكفي توحيد وإعادة هيكلة أجهزتها المعنية برقابة الدواء والغذاء ضمن نظام محدَّث فالمؤسسة الأميركية التي ‏يُراد تقليدها ليست مستقلة عن وزارة الصحة بل قسمٌ رئيسي من أقسامها تابعٌ مباشرة للوزير، ومع ذلك تم عام ٢٠٠٣ إنشاء المؤسسة عندنا مستقلةً ومنذئذٍ بقيتُ أراقبها وأتابع نشاطاتها بروح إيجابية ويدي على قلبي عند أي منعطف إلى أن فُجعنا مؤخراً بحادث التسمم الغذائي المأساوي الكبير بالشاورما في منطقة عين الباشا ودهشتُ للنتائج التي توصلت لها اللجنة المكلفة بتقصي الحقائق برئاسة وزير التعليم العالي بإلقاء مسؤولية التقصير على المؤسسة والوزارة معاً، الأولى بوجود نقص فادح في أعداد المفتشين (عددهم ٨٢ وعدد المنشآت الغذائية ٦٤،٠٠!) والثانية بعدم تعاونها رغم الاتفاقية (!) الموقعة مع مدير صحة البلقاء، وطبعاً أوصت اللجنة برفد المؤسسة بعدد من المفتشين (كم مثلاً ؟!) وربما بكوادر أخرى وبمكاتب في محافظات المملكة ما يعنى نفخها لتصبح جهازاً بيروقراطياً ضخماً ولم تفطن اللجنة بدلاً من ذلك لمنافع وجودها في قلب الوزارة حيث يمكنها أن تستعين تلقائيا‏ بجميع اجهزتها الإدارية والفنية وبسياراتها وفرقها المتخصصة ومختبراتها المجهزة وليس بعقد اتفاقيات معها وكأنها دولة أجنبية! ولعلنا نتعلم اليوم بأن المراجعة لا تعيبنا فهذه اميركا نفسها خاضت تجارب طويلة منذ أنشأت مؤسستها في وزارة الزراعة في القرن التاسع عشر ثم ألحقتها بوزارة الداخلية كوكالة للأمن الوطني إلى أن استقرت في مكانها الصحيح بوزارة الصحة عام ١٩٥٣ وحتى اليوم حيث تعتبر دولياً الإنجازَ الكبير ذا المكانة المرموقة..

وبعد.. لقد دُعيت مؤخراً الاجتماع في جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا وسعدت بالتعرف على نشاطاتها وبعض أوجه تقدمها ولفتَ نظري نجاحها الملحوظ في مجال البحث العلمي محليا وعلى مستوى ‏الجامعات في دول العالم، فلم أكن حالماً أو قاصداً الاحراج حين اقترحت عليها إجراء بحث وطني موسع حول المؤسسات المستقلة في الاردن بعد أن فاق عددها السبعين وتعدّت على الصلاحيات الدستورية للوزارات وفشلت في تحقيق الاهداف التي راجت عند إنشائها، لذلك «أكتبُ» اليوم لأول مرة عن مؤسسة الغذاء والدواء بطريقة مباشرة متمنياً إعادتها الى حضنها الطبيعي.. وزارة الصحة.