.. فلسطين ليست قضيتي هذه الجملة غرد بها بعض الإعلاميين العرب مؤخرا.

لو قلت هذه الجملة في الكرك، لربما أشبعوني (بالشلاليت) للأعوام العشرين القادمة ولقاموا بنبذي تماما.. لكني لا أستطيع قولها، لأن فلسطين ليست قضية بالنسبة للإنسان العربي هي أبعد من ذلك هي معركة، فالراحل وصفي التل كان يقول: «لا يوجد قضية مركزية اسمها فلسطين بل يوجد عدو مركزي اسمه إسرائيل».. وكان يعلل الأمر: بأن وجود القضية يعني البحث عن حل ولكن تغليب العدو على القضية يعني القتال والبحث عن نصر.

حسنا يا صديقي.. أتركها لنا هي (قضيتنا) نحن, وسنورث أولادنا كل تفاصيلها.. نحن الذين حرثنا الأرض البور, ونحن الذين تعودنا في صباحاتنا أن نغمس خبزنا في الزيت الذي قطفناه من زيتونات زرعها أهلنا, ونحن الذين ذهب أجدادنا للقتال في فلسطين وبعضهم لم يعد للان.. ولا نعرف هل قبره في جنين أم رام الله أم نابلس.. ونحن الذين كانت الطائرات الإسرائيلية تغير على قرانا وتجمعات جيشنا كل صباح وصبرنا صبر أيوب ونحن الذين فتحنا صدر الأرض الأردنية لكل فلسطيني مكلوم.. ومهجر, ونحن الذين نزف الجرح منا أكثر مما نزف الزمن.

لم يسجل أحد القضية باسمك حتى تقول: (فلسطين ليست قضيتي), وأنا لم أشاهد طفلا من غزة يأتيك, ويطلب منك كسرة خبز أو بسمة تعاطف, الأطفال في غزة يطلبون الرضى من الله فقط, فقد تعودوا على القصف والغارات والذبح.. وصدقني أنهم أيضا تعودوا على مشاهدة الدم, ولو أن طفلا منهم كتبت عليه المواجهة.. لواجه إسرائيل مددجا بكل أدوات الرجولة الفلسطينية.. فقط لاحظ كيف يكبر أطفال فلسطين في زمن الحرب ويصبحون رجالا ويختصرون السنوات, وكيف تصغر أنت وتتحرر من قضية هي بمثابة الضمير لكل عربي.. هل يتخلى العربي عن ضميره؟

أتركها لنا.. فنحن (شيالين للحمل), وتأكد أننا نتفق معك فهي ليست قضيتك.. لأن فلسطين حتى تكون قضيتك, فأنت تحتاج لجد يروي لك تفاصيل العنب في الخليل, وتحتاج لجدة تروي لك عن معركة (السموع) وكيف التحمت الرجال ببعضها.. كان الموت مثل نسمة سكرى عابرة.. لقد قهروا الموت يومها, وأنت تحتاج لخال يروي لك أيضا قصة المدفعية السادسة.. وكيف حرست عين الله المواقع التي تمركزت فيها البطاريات, وكانت طائراتهم تصب حمما على الجنود.. لكن نارنا كانت أكبر من نارهم.

حتى تكون فلسطين قضيتك, أنت بحاجة لترى الجيل الثالث من اللاجئين الفلسطينيين في مخيماتنا, وتعرف أن أول مرة يمسك فيها طفل من مخيم (شنلر) القلم, يرسم علم فلسطين.. ويرسم معه الكوفية.. دون أن يعلمه أحد لأن الصورة طبعت في القلب.

حتما فلسطين ليست قضيتك, فلسطين هي للفرسان..للفقراء, للذين يؤمنون بأن نصر الله قريب.. ونحن صدقني لا نحملك المسؤولية أنك تخليت عنها, وصدقني أن تراب الجليل لن ينحب أو يبكي لأنك تركتها.. فقط وودت أو اضح لك بأن التراب الفلسطيني يعرف رجالاته.. ولم يكلفك يوما بملف القضية.. حتى تتخلى عنها.

Abdelhadi18@yahoo.com