من المفارقات العجيبة جدا أن يكون التحول السياسي في المنطقة ليسير ضمن إطار بعده التاريخي الطبيعي أي الانتقال من أدنى إلى أعلى، واعني هنا أن التطور هو جزء من حركة التاريخ ينتقل من نقطة إلى أخرى مراكما إنجازات تؤدي في سياق صيرورته إلى الوصول الى الحد الأدنى من اهداف الحداثة والمعاصرة هذا في البعد الطبيعي والنظري للوجود.

هذه الثابتة التاريخية تسير في كل مناطق الأرض ومجتمعاتها ضمن إطار هذا النهج والتنويه هنا كمثال عندما طرح جلالة الملك عبد الله الثاني مفهوم الإصلاح السياسي المتدرج كان ينطلق من هذا البعد في التطور أي التدرج من نقطة إلى أخرى، وذلك سيؤدي إلى إنجاز مهام التحول الديمقراطي والتمكين وهذا مثال ينطبق على بنية التاريخ، وهو قريب من ذهنية الأردنيين ولذلك طرحته كمثالا.

أما ما يحصل لدينا فهو تناقض كلي مع تلك المسلمات التاريخية فقد اندلعت في منطقتنا ثورات «الربيع العربي» لقيادات شبابية تطمح للتحول الديمقراطي والأخلاقي والإنساني يحفظ كرامتهم ويصنع بيئة مبدعة قادرة ليس فقط احتواء مبادراتها انما تطويرها.

لكن الذي حصل من خلال تلك الخطوة إلى الامام خطوتان الى الوراء كما يقول جلالة الملك فقد قضي على تلك الطموحات من خلال ثورة مضادة جعلت تلك الاحلام والواقعية في حينها الى أحلام اسطورية وآمال غير قابلة للتحقيق وهذا مثال على أن منطقتنا كاستثناء اخر من منطق التاريخ.

أما الاستثناء الثالث من منطق التاريخ أن المكتسبات السياسية التي انبثقت من صلابة الموقف الفلسطيني على أرضه والدينامية والتصاعدية والفعالة والموظفة للقدرات الأردنية كلها في التصدي لصفقة القرن بشكل عام ومشروع الضم والقضم الصهيوني مكتسبا جعل من الكيان الصهيوني مرتبكا حائرا غير قادر على إيجاد مدخل او مخرج من اجل زحزحة ذلك التلاحم المصيري بين الشعبين الأردني والفلسطيني والذي تفتت على صلابته أحلام الضم بتوقيتها وهذا انعكس ليس فقط على الكيان الصهيوني انما على الإدارة الأميركية بجبروتها ونفوذها وامكاناتها فوقفت عاج?ة عن تنفيذ الحلقة المركزية لصفقة القرن وهو تشريع الضم.

هذا كله قد أخذه كل مراقب سياسي وكل مراكز الدراسات والبحوث بعين الاعتبار عند مناقشة الأسباب الحقيقية لأرجاء الكيان الصهيوني لقرار الضم رغم انه قد حصل على تطمينات وضمانات بان ذلك المشروع سيمر دون أي ضجة تذكر كما مر مشروع نقل السفارة الأميركية.

اذن المقاومة على الأرض وصلابة وصمود الشعب الفلسطيني ونكران الذات والشد على البطون والثمن الباهض الذي دفعه الشعب الأردني للحفاظ على ثوابته القومية والدينية والوطنية يأتيك احدهم من بعيد وهو على فراشه الوثير يتكئ على اريكته دون حراك ويقول ان العامل الحاسم في ارجاء صفقة الضم يكمن فيما صنعناه من تنازل بالموافقة على التطبيع مع الكيان الصهيوني من اجل الغاء صفقة القرن ومشروع الضم وان هذه التضحية قدمناها قربانا لفلسطين.

انني هنا ليس بصدد الحوار حول مفهوم التطبيع وانعكاساته السياسية على القضية الفلسطينية والذي يمهد لتصفيتها من خلال ترسيخ مفهوم الوطن البديل لمشروع الضم انما أتساءل كيف يتجرأ هؤلاء على سرقة مكتسبات الصمود الفلسطيني والدم الفلسطيني والجهد الأردني المضني والعذابات التي تحملها وما يزال يتحملها الشعب الأردني الذي رفض رفاهية الدعم ولم يقامر بها لصالح التخلي عن مبادئه وثوابته التي هي جزء لا يتجزأ من وجوده طبعوا كما تشاؤون ولكن لا تسرقوا الدم الفلسطيني ولا ترقصوا على عذابات ثبات موقف الأردنيين لا شكرا لكم.