قبل نيف ومئة عام كان المستعمر الفرنسي قد استقر به المقام في سوريا ففصل لبنان عن الوطن الأم وأمعن في بطشه وقمعه لأي انتفاضة فيهما كما حدث عندما داهمت المدفعية الفرنسية بقنابلها الأحياء السكنية في قلب دمشق عام ١٩٢٦مخلفةً الموت والدمار، ويذكر التاريخ كيف هبّ الشعب المصري بنخوة عربية أصيلة يؤازر سوريا، وفي حفل وطني حاشد أُقيم في مسرح حديقة الأزبكية بالقاهرة لجمع التبرعات لمنكوبيها أُلقيت قصيدة شوقي الرائعة «سلامٌ من صبا بردى أرقُّ–ودمعٌ لا يُكفكف يا دمشقُ» التي أصبحنا فيما بعد نردد بحماسٍ بعض أبياتها مثل «ودمُ الأحرار تعرفه فرنسا–وتعرف انه نورٌ وحقُّ»، «وللحرية الحمراء باب–بكل يد مضرَّجة يُدقُّ». وفي عام ١٩٤٣ لحَّن محمد عبد الوهاب هذه القصيدة وغناها فهز القلوب وأطرب الأسماع، وقد شاعت بين العرب كثيراً خصوصا بعد ما قصف الفرنسيون في ٢٩ أيار١٩٤٥البرلمان السوري عقاباً على مطالبته باستقلال البلاد وتجاوبْنا في شرق الاردن مع الحدث بمظاهرات طلابية وجماهيرية تندد بالوحشية الفرنسية.. وبعد ذلك لم أعد اسمع تلك الأغنية إلا لُماماً إلى ان ارسلها لي قبل أيام صديق على الهاتف وأثارت في نفسي الاحزان والاشجان، وبالمصادفة البحتة كان الرئيس الفرنسي ‏ماكرون يزور بيروت إثر انفجار المرفأ مواسياً ومعزياً يذرف دموعه عَلى الضحايا والدمار فاختلطت عليّ الأفكار بالمشاعر وتذكرتُ أحد أبيات القصيدة «وللمستعمرين وإن ألانوا–قلوبٌ كالحجارة لا تَرِقُّ» ومنعتني الكياسة من أن أصفها بدموع التماسيح!

تُرى من ينكر علينا الحق في أن نتذكر في هذا الموقف ما ارتكبته فرنسا في بلادنا منذ ضلوعها قبل قرن من الزمان في مؤامرة سايكس بيكو التي مزقت أوصال الأمة العربية في مشرقها تمهيداً مؤكداً موثقاً لقيام دولة اسرائيل وهيمنتها من بعد على منطقتنا المتخلفة نتيجة قرون من الحكم العثماني؟! أو من ينكر علينا اليوم بأن نربط الحالة السياسية المضطربة الآن في لبنان وتدهور الأوضاع الاقتصادية فيها بجذورها المتصلة بالمحاصصة الطائفية وبالاستعمار الفرنسي؟!..

صحيح أن الطائفية أقدم من ذلك بمئات السنين لكن فرنسا قامت بترسيخها وتأكيد استمرارها لقادم الزمان على قاعدة «فرِّق تَسُدْ» بواسطة ثقافة مسمومة ومجموعة كبيرة من الأنظمة والقوانين المعقدة لدرجة يصعب حلها أو تخفيف آثارها وتبعاتها، وصحيح كذلك أن المظهر العاطفي لهذه «الزيارة» مرتبط بمقولة قديمة مخادعة بأن فرنسا هي الأم الحنون لبعض الطوائف اللبنانية لكن الزيارة في واقعها تأتي خدمةً للمصالح الفرنسية في المنطقة بالتنافس مع شريكاتها من الدول الاستعمارية التقليدية الأخرى التي لا تزال لها أطماع في منطقتنا الغنية بمصادر الطاقة وسواها، سواءً في باطن الأرض أو في أعماق البحار!

وبعد.. أطرحُ ضمن المغزى التاريخي سؤالاً: كيف تسنّى لنا في ذلك العهد البعيد الانتصار للشعب السوري وكنا وأشقاؤنا المصريون تحت النفوذ البريطاني، حليف الاستعمار الفرنسي، قبل ان يدخل على المنطقة..الحليف الأكبر والقائد الأعلى للاستعمار العالمي الجديد !؟