لمياء القفصي (شاعرة تونسية)

مسافر

مسافر أركب آلاف المسافات

أمتطي غربتي أحمل حقيبة لا تتسع لكل ذكرياتي

في ركنٍ ركين، ينام فيها فؤادُ أمٍّ مثقَلا بالشجن

تودّعني والدمع في مقلتيها يخذلها فيخذلني

عابر في مهجتي تحيا قصة

أشمّ فيها من رُبى أرضٍ رائحةَ الياسمين

تملأ دربي لهفة في قلبي مستوطنة

أمشي وبي ظمأ الحنين إلى رمل

كان لي مهداً، بين أحضانه كفني

عمري قطار يمرّ كلهيب شمس

يبخّر رزنامة الأيام غيماً يضم صحوَ سمائي

يمطر ثلجا يتراكم على شفا الوجع

يتدحرج زخاتٍ تحت جفوني

وحيدٌ ها هنا، أمضغ الآهات

يراودني ألف حزن على شرفات العتمة

دون كلل ينهشني على كثبان صحراء نائية

يميت خطواتي إلى الغد الآتي

في أبد المسير غريب

لا سبيل لي إلى الأوطان

ولا طاقة بي على الاستيطان

ملقى على رصيفِ سفرٍ دائم

لا يعود إلى مكان

أفقي وعدٌ وعيناي انتظار.



خلف جدران الأسى

فوق حجر الزمن أنقش بأنامل الشوق

ملامح ذكرى تجلدني بسياط الحنين

يملأ صدر السنين

ضاق بآهات، أختنق

حسرات

حسرات

خلف جدران الأسى يكفكف خلسةً بقايا دموع عالقة

وفي عينيه قصة لم تترجم حروفها

تحت صقيع الحروف

أزال الصمت أصداء الأنين

سنّ إبَرَ النسيج، خاطَ كفنه

وسار في سفرٍ يسيل كالنزيف في جثة الزمان

ما زلت أمسك شعر الزمن المسافر

أجدله، أشرّعه نوافذَ تطلّ على صبا أحلام مورقة

وطفلة صغيرة تستعيد ما غبر

ها هنا خطواتنا على الرمال

نقذف حصوات، نرميها على الشمس

قطعة حلم نقي، نصلّي تراتيل عشق

في غبار الصلوات غرق الحلم ومات

غسلناه بدماء الكلمات ودفنّا الماضي

في جزيرةٍ حدودها النسيان

سرت على الشطآن

درب من رمل

درب من سراب

أردد كم كانت جميلة الأيام

مضينا، في غفلة العمر كبرنا

وما زال القلب صادق النبضات.



في سفر الكلمات

أسال ماذا أكتب والحرف كم يقيد

في عالمٍ يلبس وجه الصمت

لا لغة تعبره

لا صوت

تولد الكلمة، تعلن البعث في أرض الحروف

تبني صرحا له قصر وحدائق تجري بها أنهار

تنساب بحبات لؤلؤ ينطق بها الثغر

خفيفة في اللسان، ثقيلة في الميزان

أسال ماذا أكتب والحرف كم يقيد

في سفر الكلمات

لا معاني

لا دلالات

كلمات تختبئ تحت جبل من الهموم غائر

تحت صقيع الحروف عيون تلجأ

تحلم بالدموع تهاجر

تاركة يأسها علامة فوق وجه الفصول

هي السنين رحلة تهرول

بكلمتين تُختصَر:

مهد أو قبر

أسال ماذا أكتب والحرف كم يقيد

في دروب الحياة

لا خصام

لا ثأر

بعض الكلمات قدر، نجهل ماذا يحمل

وبعضها أشد من الحجر، أنفذ من وخز الإبر

أسال ماذا أكتب والحرف كم يقيد

في عصر الانحدار

لا لغة

لا قرار

كلمات كالصرخة حبلى بالأضواء

تنير أرواحا زكية

صوت حقّ يعلو بأجراس بلا رنين

يردد:

حرية

مسؤولية

يردد صوت الإنسانية

يتجلى لغة هي إرث البشرية.