د. يوسف عبدالله الجوارنة

يحتفل وطني قرب انتهاء عطلة كلّ صيفٍ في كلّ عام بفتيان القرآن، ويسعد بتخريج أفواج جديدةٍ من ناشئتهم، درجوا ويدرجون في رحاب القرآن، يتلون آياته ويحفظونها، ثمّ يعكفون عليها يتدبّرونها، يحدوهم إلى ذلك حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، عن عائشة رضي الله عنها، أنّه قال: «الماهر بالقرآن مع السّفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع به، وهو عليه شاقّ، له أجران» (مسلم/ 244)، وقوله عليه السّلام، عن عبدالله بن عمرو بن العاص: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارق، ورتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا؛ فإنّ منزلتك عند آخر آيةٍ تقرؤها» (المسند/ 6799). وليست علومٌ في الدّنيا بأفضل ولا أجمل من هذا العلم الذي يلتفّ حوله فتيان القرآن، إنّه كتاب الله العظيم، يهدي للتي هي أقوم، «من ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله،...، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراطٍ مستقيم» (التّرمذي/ 2906).

وإنّما يحتفى بهم ولأجلهم؛ لأنّهم نماذج فريدةٌ في سماء الوطن، حرصوا ويحرصون على الالتفاف حول مائدة القرآن، يرغّبون أنفسهم العيش في ظلالها، ويكبحون جماحها عن مغريات الحياة ومشاغلها وملذّاتها، ويتحمّلون كلّ نصبٍ ومشقّةٍ -فيها سعادةٌ- للفوز بإرثٍ حصنٍ حصينٍ من القرآن، فمن صبر على ذلك منهم وجد لذّةً تفوق سائر اللذّات، قال الفقيه الحنفيّ، الإمام التّربويّ برهان الدّين الزّرنوجيّ (ت.591هـ) في كتابه «تعليم المتعلّم في طريق التّعلّم»: «كان الإمام محمّد بن الحسن الشّيبانيّ (ت.189هـ) إذا سهر الليالي وانحلّت له المشكلات، يقول: أين أبناء الملوك من هذه اللذّات»؟ وما لذّات صاحب أبي حنيفة –رحمهما الله- في جوف الليل، إلاّ الاعتكاف نظراً لمسائل من العلم، وصلاةً وتدبّراً لآيات القرآن الكريم.

ويحتفي وطني بفتيان القرآن؛ لأنّهم مشاريع خصبةٌ في الانتماء للوطن، والإنسان مجبولٌ على حبّ الوطن، لأنّه بلا وطن كجسمٍ بلا روح، وحبّه لوطنه –كما يقول الألبانيّ- أمرٌ غريزيّ فيه، كحبّ النّفس والمال ونحوه (الضّعيفة (1/ 110)، وهل يكره المرء شيئاً من خواصّه ومتعلّقاته؟ إنّهم فتيةٌ آمنوا بربّهم، وتعلّقت قلوبهم بالوطن الأمّ، وخيّطوا فيه الصّحراء من دمهم، وجعلوه أيقونةً لحبٍّ حقيقيٍّ غير مزيّف، يتعالون فيه على الجراح المحفورة في ذاكرة الوجع، وقد صوّر حالة التّماهي هذه حبيبٌ الزّيوديّ (1963-2012م)، الشّاعر الأردنيّ الذي رسم صوراً للأردنّ جميلةً معبّرة، فجاءت لوحاته الشّعريّة فواحةً بعبير «الهيل» و«الشّيح» و«القيصوم»، إذ قال (البسيط):

«هم فتيةٌ خيّطوا الصّحراء من دمهم/ وعلّموا أهلها التّحنان والطّربا

نادتهم الأرض فامتدّوا بها شجراً/ وأوجبوا لنداء الأرض ما وجبا

شبّوا على رملها الغاوي ولوّحهم/ وموّجوا الخيل في ساحاتنا خببا».

هم أولاء أبناء وطني، يدفعهم الفيض المخبوء فيهم إلى حبّه والانتماء إليه، وفتيان القرآن شريحةٌ منهم، وصورتهم الصّادقة ناطقةٌ تنبئ عن خباياهم، يمطرونه باللحن الجميل إذا حضروا، وتفيض عبراتهم في عيونهم القلقة «ألّا تحسّ كرًى ولا وسنا» إذا اغتربوا. هم ليسوا كغيرهم من لداتهم على هامش الوطن، يحملهم الطّيش أحياناً إلى العبث في معنى الحبّ والانتماء، وبدل أن يغنّوا للوطن سانحةً تجري فيها أنهار العشق، يصفّقون لكلّ بارحةٍ تنذر بشؤمٍ أو رحيل، يعبثون بإجازاتهم على ملذّاتٍ سريعٍ انقضاؤها، يأكلون ويشربون، ويرتعون ويلعبون، ويتجمّلون ويتأنّقون، مبلغهم لعاعاتٌ يحصّلونها؛ فهؤلاء جاهلون ميّتون عالةٌ على الوطن، وأولئك أحياءٌ يحيا الوطن بهم ويرنو إلى العلياء، قال الشّاعر (البسيط): «الجاهلون؛ فموتى قبل موتهم/ والعالمون وإن ماتوا فأحياء».

ولا تعني سعادة الوطن بتخريج هذه الكواكب من فتيان القرآن، أن يسلمهم بعد ذلك إلى عامٍ قادمٍ يبتعدون فيه عن مائدة القرآن وحفظ القرآن، بل إنّ الواجب يقضي أن يتابعوا في المراكز الدّائمة، أو في المساجد حتّى تظلّ شعلةً متّقدةً، ومشعل علمٍ ومعرفة، لكي لا يستسلموا لوسائل أخرى في التّربية متعدّدةٍ وفاسدةٍ، تتقاذفهم من هنا وهناك، وتهوي بهم في أمكنةٍ سحيقةٍ وغياهب مظلمةٍ.

لذلك، فإنّ معلّمي القرآن في مراكز التّحفيظ، يجدّون ويواظبون في متابعة فتيان القرآن، طلبة العلم القرآني، ليركنوا بهم إلى ركنٍ شديد، وإنّها لمسؤوليةٌ كبيرةٌ تتطلّب منهم جهداً ووقتاً، ومن المتعلّمين حرصاً؛ فقد نقل الزّرنوجيّ في كتابه المشار إليه: «من طلب شيئاً وجدّ وجد، ومن قرع الباب ولجّ ولج»، وفيه: يا عالي الهمّة، «بقدر ما تتعنّى تنال ما تتمنّى»، وقال أبو تمّام (البسيط): «بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها/ تنال إلّا على جسرٍ من التّعب»، وقال المتنبّي (الوافر): «ولم أر في عيوب النّاس عيباً/ كنقص القادرين على التّمام».

ولا تكون ثمّة أمنياتٌ، إذا لم تتضافر جهود المخلصين من المعلّمين، والمواظبين من المتعلّمين، والحريصين من الآباء والأمّهات؛ فتلكم أركانٌ ثلاثة لا مندوحة عنها ليعيش الفتيان مع القرآن ويتفقّهوا به، ولا يقوى أحدها ولا ينشط بمعزلٍ عن الرّكنين الآخرين، والفتيان هم المعوّل عليهم في هذه العمليّة التّعليميّة التّعلّميّة، قال الزّرنوجيّ أيضاً: «لا بدّ لطالب العلم من المواظبة على الدّرس والتّكرار"؛ وقال الشّيخ الحنفيّ إبراهيم اليعقوبيّ الحسنيّ (ت.1406هـ/ 1985م) شارح الزّرنوجيّ: «إنّ تحصيل العلم بالجهد والتّكرار، وإنّ لكلّ شيءٍ آفةً، وآفة العلم ترك الجهد والتّكرار».

فتيان القرآن في وطني حرصوا ويحرصون على إجلال القرآن وإعظامه، وإنّهم –إذا تغيّا المعلّمون الدّوران بهم مع القرآن، يعلّمونهم فيه المنهج الصّحيح القائم على الفهم الصّحيح غير المشوّه- سيكونون بإذن الله أصحاب عقيدةٍ صحيحةٍ سالمةٍ من الخلط والتّشويه والانحراف، تتوافق فيها علانيتهم مع سرائرهم، ويبتعدون بها عن الأفكار الضّالّة لخوارج العصر، الذين حرّفوا كلّ صحيح، وشوّهوا كلّ مقدّس، وارتأوا نصرةً للحقّ –ميناً وكذباً- أن يقدّموا تصوّراً للدّين يناسب كلّ مرحلة، يقوم على تكفير النّاس، وقتلهم، وترويع الآمنين، والخروج على جماعة البلد الواحد، أو الأمّة مجتمعةً، ويفهمون الدّين غلوّاً على أنّه صومعةٌ منعزلة، والدّنيا على أنّها سوقٌ منفصلة عن الدّين. لذلك، كثرت منهم الفتنة؛ فضلٌّوا وأضلّوا، وسفكوا دماء المسلمين على غير وجه حقٍّ، هم –كما في الحديث- «أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البريّة، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة» (البخاريّ/ 6930)؛ فلا درّ درّهم!

فتيان القرآن في وطني، لن يكونوا بحالٍ على هذه الطّريقة السّوأى في التّعلّم، ولا على هذا المنهج القائم على الغلوّ في التّفكير؛ لأنّ الفهم الصّحيح للإسلام من منابعه، يقوم على حلّ الأزمات وتفكيكها، وينأى عن التأزيم وخلق المشكلات، ويبتعد بالمجتمعات عن الانحراف والانجراف، ويعيد للأمّة ألقها وتصالحها مع ذاتها، وتوازنها في علاقاتها مع الآخرين.

هذه الصّورة المشرقة في الفهم، هي وحدها التي يتعلّمها فتيان القرآن في القرآن، ويصحبهم ويقوم على رعايتهم والاعتناء بهم ثلّةٌ من معلّمي القرآن الخيّرين؛ فجزاهم الله عنّا وعن المسلمين كلّ خيرٍ، وبارك أعمالهم وأوقاتهم، وجعلهم من المحسنين.

* (أكاديمي أردنيّ/ جامعة طيبة)