قال المحامي والسياسي اللاتيني «شيشرون» مقولته الشهيرة «إن سلامة الدولة فوق كل القوانين».

وهذا ما دفع بعدد من النظم السياسية لتبنّي هذه النظرية وتضمين دساتيرها نصوصاً تسمح بتعطيل أحكامها تسهيلاً على السُّلطة الحاكمة لتخطّي أي معضلة تواجهها، وكم كنت أتمنّى أن يتضمن دستورنا نصّاً كهذا بعد تغليق الأبواب على إرجاء إجراء الإنتخابات في حالة توفر ظرف قاهر بعد شطب هذا البند في تعديلات ٢٠١١.

وتتفاوت الدساتير في التسمية والوظيفة التي تستهدف تجاوز بعض نصوصها في الظروف التي تستوجب ذلك مؤقّتاً، فهناك من نص على جواز (تعليق العمل بالدستور) كالدستور التركي لعام ١٩٨٢ والسوداني ١٩٩٨.

وهناك من أخذ بفكرة (تعطيل العمل بالدستور) كالألماني ١٩١٩ والهندي ١٩٤٩ والكويتي ١٩٦٢ والبحريني والإماراتي ١٩٧٣ والعماني ١٩٩٦.

ويجمع الفقه الدستوري على إمكانية إعمال تلك النصوص فقط في حالة الظروف غير العادية التي تمر بها البلاد، وذلك ممكن في دولة كمملكتنا نظراً لوجود جهة دستورية ذات ولاية رقابية معترف بها وهي المحكمة الدستورية، بل إن عدداً من الفقهاء أجاز ذلك حتى وإن لم ينص الدستور على جوازه صراحة وهو ما يعرف بـ «التعطيل السياسي» للدستور.

إن المطالع للمسيرة التشريعية الأردنية يلمس تحوّلاً فعليّاً على صعيد صناعة التشريع، حيث القدرات والخبرات في تصاعد بينما التشريع في تراجع، ولا أدلّ على ذلك من خضوع قانون النزاهة ومكافحة الفساد–مثالاً–لأكثر من خمسة تعديلات خلال مدة تقارب عشر سنوات، وغيره من القوانين في الوقت الذي لم يحتج فيه القانون المدني الأردني لهذه التعديلات خلال نصف قرن من الزمان وهذا راجع لحرفية وكفاءة مشرعيه، إضافة لميزة مشاركة المختصين بصياغة مشاريع القوانين بصورة موسعة وبالأخص على صعيد اللجان النيابية التي تقوم بدراستها وإقرارها، ومن أمثلة التجويد تلك ما ذكره «جاي سيبان» الأمين العام الأسبق للغرفة التجارية الدولية في مقدمة «الأصول والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية ٢٠٠٧» إذ قال حرفياً «هذه القواعد التي صاغها بالكامل خبراء في القطاع الخاص».

إن سلامة التشريع عموماً والدستور خصوصاً واستقراره وعنايته بالتفاصيل كافة ولو على صعيد التحوّط والاحتمال هو ما يشهد بتميز النظام القانوني للدولة، وهي مسألة أساسية ذات أولوية قصوى نظراً لتعلقها بالمصلحتين العامة والخاصة على حدٍّ سواء.

وعليه، لا بد وأن يتضمن الدستور وسيلة إسعاف تمكن صناع القرار من سلوك مخرج نجاة في الظروف الاستثنائية، على أن تخضع أيضاً لرقابة القضاء بمختلف درجاته واختصاصاته النوعية، فذلك لا يعيب الديمقراطية ولا يمس بالحقوق والواجبات، فالصالح العام مقدّم على الخاص، ويجب ألّا نعدم الوسيلة في أي مرحلة كانت.

والله من وراء القصد