د. نصر حامد أبو زيد كاتب ومفكر مصري متخصص في الدراسات الإسلامية واللسانيات والعلوم الإنسانية كتاباته غير تقليدية. ونتيجة لجرأته في بلورة فهم عصري جديد للإسلام شُنَّت عليه حملات قاسية من قبل بعض الجماعات الإسلامية المتعصبة المتعاونة مع سلطة بلاده وصلت إلى حدّ التكفير.

أبو زيد واكب الثورة المعرفية المعاصرة في مواجهته للتأويلات البشرية للخطابات الدينية بما لا يتعارض والجوهر الإيماني للدين.

في كتابه «التجديد والتحريم والتأويل بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير» أراد هذا المفكر وَصْلَ «معنى القرآن» بسؤال «معنى الحياة».

كان يرى أن التعامل مع القرآن بوصفه مجرد «نصّ» هو «مصدر النزاع الأيديولوجي والمذهبي». المرجع السابق ص208.

وكما يرى «فإن الخطاب الإلهي ثابت في منطوقه، فتحرك في دلالاته».

نصر أبو زيد الذي حصد أكثر من جائزة عالمية تقديراً لدراساته لم يكن يستحق «التكفير» فهو وظف في دراساته القرآنية بعض الأدوات المنهجية الحديثة مثل علم الدلالة والنقد التاريخي والتأويلية. وهي مناهج ليست مألوفة بل مرفوضة في السياقات التقليدية للدراسات القرآنية في العالم الإسلامي.

لماذا خالف أبو زيد المنظور التراثي الذي يتعامل مع القرآن بوصفه «نصّاً فقط؟ كانت إجابته أن هذا التعامل بمثل هذا المنظور يشجع إمكانيات التفسير والتفسير المضاد، كما يسمح بإمكانية التلاعب الدلالي ليس بالمعاني فقط، بل بالمبنى القرآني نفسه، وذلك كما حدث في التأويلات السّجالية التي أنجزها المتكلمون في الماضي. الكتاب: ص206

نصر أبو زيد كما ذكر، محاولته «التأويلية الحيّة» هدفها تحرر الفكر الديني من سلطة القهر والقوة، سياسية كانت أم اجتماعية أم دينية (ص207).

هل أخطأ في مقاربته تلك؟

أبو زيد سار على نهج الشيخ محمد عبده وأمين الخوالي وغيرهما ممن حرصوا على الجمع بين النقل والعقل رافضين النقل الذي يتعارض مع العقل ولكنه تخطّاهما بمنهجيته.

وبعد، إن الانفتاح على الدراسات القرآنية على نحو عقلاني لا يعني الخروج عن القيم الإيمانية.

نصر حامد أبو زيد لم يخرج عن «الإسلام» حين دعا إلى فكر ديني متحرّر من التعصب والانغلاق.

في هذا السياق نقرأ للمفكر والأكاديمي د. أحمد برقاوي قوله: «إن إعادة صياغة الدين من جديد ليست ثمرة وعي ديني للعالم وللمجتمع، بل ثمرة وعي دنيوي سياسي واجتماعي وأخلاقي». د. أحمد برقاوي: «الفكر العربي الحديث» ص63

وهنا أقول إن مثقفي عصر النهضة كالكواكبي ومحمد عبده والأفغاني وغيرهم ممن شغلهم «الإصلاح الديني» أرجعوا سبب انحطاط العلم عند المسلمين إلى تخليهم عن «الإسلام» وحاولوا «عصرنة الإسلام» لكنهم نسوا أن لهذه العصرنة شروطاً دنيوية. عقلانيتهم لم تذهب إلى آخر مَدى. وما فعله نصر أبو زيد حين أراد أن «يُؤنِس» الخطاب الديني ويحرره من أي تفسير تعسّفي طارد لِـ «العقل» يعد بحق خطورة جريئة في مجال الدراسات القرآنية.